العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٢٤ - فصول إلى خليفة و أمير
لأعبائنا، و القائم بما ناب من حقوقنا.
و فصل: أما بعد، فقد انتهى إلى أمير المؤمنين كذا فأنكره، و لا يخلو من إحدى منزلتين، ليس في واحدة منهما عذر يوجب حجة و لا يزيل لائمة: إما تقصير في عملك دعاك للإخلال بالحزم و التفريط في الواجب، و إما مظاهرة لأهل الفساد و مداهنة لأهل الريب؛ و أية هاتين كانت منك لمحلة النكر [١] بك، و موجبة العقوبة عليك، لو لا ما يلقاك به أمير المؤمنين من الأناة و النظرة، و الأخذ بالحجة، و التقدم في الإعذار و الإنذار؛ و في حسن ما أقلت من عظيم العثرة، ما يوجب اجتهادك في تلافي التقصير و الإضاعة، و السلام.
و كتب طاهر بن الحسين حين أخذ بغداد إلى إبراهيم بن المهدي:
أما بعد، فإنه عزيز عليّ أن أكتب إلى أحد من بيت الخلافة بغير كلام الإمرة و سلامها؛ غير أنه بلغني عنك أنك مائل الهوى و الرأي للناكث المخلوع، فإن كان كما بلغني فقليل ما كتبت به كثير لك، و إن يكن غير ذلك فالسلام عليك أيها الأمير و رحمة اللّه و بركاته؛ و قد كتبت في أسفل كتابي أبياتا فتدبرها:
ركوبك الهول ما لم تلق فرصته # جهل رمى بك بالإقحام تغرير [٢]
أهون بدنيا يصيب المخطئون بها # حظّ المصيبين، و المغرور مغرور
فازرع صوابا و خذ بالحزم حيطته # فلن يذمّ لأهل الحزم تدبير
فإن ظفرت مصيبا أو هلكت به # فأنت عند ذوي الألباب معذور
و إن ظفرت على جهل ففزت به # قالوا جهول أعانته المقادير!
فصل للحسن بن وهب: أما بعد، فالحمد للّه متمم النّعم برحمته، الهادي إلى شكره بفضله؛ و صلى اللّه على سيدنا محمد عبده و رسوله، الذي جمع له من الفضائل ما فرّقه في الرّسل قبله، و جعل تراثه راجعا إلى من خصه بخلافته، و سلم تسليما.
[١] النكر: الأمر الشديد.
[٢] يقال: استجهله، إذا حمله على شيء ليس من خلقه فيغضبه.