العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٦٥ - ما يجوز في الكتابة و ما لا يجوز فيها
أنكرت شيئا فلست فاعله # و لن تراه يخطّ في كتبك
إن يك جهل أتاك من قبلي # فعد بفضل علىّ من حسبك
فاعف فدتك النّفوس عن رجل # يعيش حتى الممات في أدبك
و لكل مكتوب إليه قدر و وزن، ينبغي للكاتب أن لا يجاوزه عنه و لا يقصر به دونه، و قد رأيتهم عابوا الأحوص حين خاطب الملوك خطاب العوام في قوله:
و أراك تفعل ما تقول و بعضهم # مذق [١] الحديث يقول ما لا يفعل
و هذا معنى صحيح في المدح، و لكنهم أجلّوا قدر الملوك أن يمدحوا بما تمدح به العوام؛ لأنّ صدق الحديث و إنجاز الوعد و إن كان من المدح، فهو واجب على العامة، و الملوك لا يمدحون بالفرائض الواجبة، إنما يحسن مدحهم بالنوافل لأن المادح لو قال لبعض الملوك: إنك لا تزني بحليلة جارك، و إنك لا تخون ما استودعت، و إنك لتصدق في وعدك و تفي بعهدك؛ فكأنه قد أثنى بما يجب؛ و لو قصد بثنائه إلى مقصده كان أشبه في الملوك.
و نحن نعلم أن كل أمير يتولى من أمير المؤمنين شيئا فهو أمير المؤمنين؛ غير أنهم لم يطلقوا هذه اللفظة إلا في الخلفاء خاصة.
و نحن نعلم أن الكيس هو العقل، و لكن لو وصفت رجلا فقلت: إنه لعاقل كنت مدحته عند الناس، و إن قلت: إنه لكيّس كنت قد قصّرت به عن وصفه، و صغّرت من قدره، إلا عند أهل العلم باللغة؛ لأن العامة لا تلتفت إلى معنى الكلمة. و لكن إلى ما جرت به العادة من استعمالها في الظاهر؛ إذ كان استعمال العامة لهذه الكلمة مع الحداثة و الغرة و خساسة القدر و صغر السن.
و قد روينا عن علي كرم اللّه وجهه أنه تسمى بالكيّس حين بنى سجن الكوفة، فقال في ذلك:
[١] المذق: الملول.