العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٦٣ - ما يجوز في الكتابة و ما لا يجوز فيها
و أما الطبقات الأربع الأخر، فهم الملوك الذين أوجبت نعمهم تعظيمهم في الكتب إليهم، و أفضالهم تفضيلهم فيها.
و الثانية وزراؤهم و كتّابهم و أتباعهم، الذين تقرع أبوابهم، و بعناياتهم تستباح أموالهم.
و الثالثة هم العلماء، الذين يجب توقيرهم في الكتب بشرف العلم و علوّ درجة أهله.
و الطبقة الرابعة لأهل القدر و الجلالة، و الحلاوة و الطلاوة، و الظرف و الأدب، فإنهم يضطرونك بحدة أذهانهم، و شدّة تمييزهم و انتقادهم، و أدبهم و تصفحهم، إلى الاستقصاء على نفسك في مكاتبتهم.
و استغنينا عن الترتيب للسوقة و العوام و التجار، باستغنائهم بمهناتهم عن هذه الآلات، و اشتغالهم بمهنتهم عن هذه الأدوات.
و لكل طبقة من هذه الطبقات معان و مذاهب يجب عليك أن تراعاها في مراسلتك إياهم في كتبك، و تزن كلامك في مخاطبتهم بميزانه، و تعطيه قسمته، و توفيه نصيبه؛ فإنك متى أهملت ذلك و أضعته، لم آمن عليك أن تعدل بهم عن طريقهم، و تسلك بهم غير مسلكهم، و تجري شعاع بلاغتك في غير مجراه، و تنظم جوهر كلامك في غير سلكه؛ فلا تعتدّ بالمعنى الجزل ما لم تلبسه لفظا لائقا بمن كاتبته، و ملامسا لمن راسلته، فإن إلباسك المعنى-و إن صحّ و شرف-لفظا متخلفا عن قدر المكتوب إليه، لم تجر به عادته، تهجين للمعنى و إخلال بقدره. و ظلم بحق المكتوب إليه، و نقص ما يجب له؛ كما أن في اتباع تعارفهم، و ما انتشرت به عاداتهم، و جرت به سنّتهم، قطعا لعذرهم، و خروجا من حقوقهم، و بلوغا إلى غاية مرادهم، و إسقاطا لحجة أدبهم.