العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٠٥ - خطبة الحجاج بعد دير الجماجم
و مؤامرا تستشيرونه، فكيف تنفعكم تجربة، أو تعظكم وقعة، أو يحجزكم إسلام، أو يردكم إيمان؟أ لستم أصحابي بالأهواز حيث رمتم المكر؛ و سعيتم بالغدر، و استجمعتم للكفر، و ظننتم أن اللّه تعالى يخذل دينه و خلافته، و أنا أرميكم بطرفي و أنتم تتسللون لواذا؛ و تنهزمون سراعا؛ ثم يوم الزاوية [١] ؛ و ما يوم الزاوية؟بها كان فشلكم و تنازعكم و تخاذلكم و براءة اللّه منكم و نكوص وليّكم عنكم؛ إذ ولّيتم كالإبل الشوارد إلى أوطانها، النوازع إلى أعطانها؛ لا يسأل المرء منكم عن أخيه، و لا يلوي الشيخ على بنيه، حتى عضكم السلاح، و قصمتكم الرماح، ثم يوم دير الجماجم: و ما دير الجماجم؟بها كانت المعارك و الملاحم، بضرب يزيل الهام عن مقيله [٢] ، و يذهل الخليل عن خليله.
يأهل العراق و الكفرات بعد الفجرات؛ و الغدرات بعد الخترات، و النّزوة بعد النزوات، إن بعثتكم إلى ثغوركم غللتم و خنتم، و إن أمنتم أرجفتم، و إن خفتم نافقتم؛ لا تذكرون حسنة، و لا تشكرون نعمة! يأهل العراق: هل استخفّكم ناكث، أو استغواكم غاو، أو استفزكم عاص أو استنصركم ظالم، أو استعضدكم خالع-إلا وثقتموه و آويتموه و عزّرتموه و نصرتموه و رضيتموه.
يأهل العراق؛ هل شغب شاغب، أو نعب ناعب، أو نعق ناعق، أو زفر زافر، إلا كنتم أتباعه و أنصاره. يأهل العراق، أ لم تنهكم المواعظ؟أ لم تزجركم الوقائع؟ ثم التفت إلى أهل الشام فقال: يأهل الشام، إنما أنا لكم كالظليم [٣] الذابّ عن فراخه؛ ينفي عنها المدر، و يباعد عنها الحجر و يكنّها من المطر، و يحميها من الضباب؛ و يحرسها من الذئاب؛ يأهل الشام، أنتم الجنّة و الرداء، و أنتم العدة و الحذاء.
[١] الزاوية: موضع بالبصرة.
[٢] مقيله: موضعه.
[٣] الظليم: ذكر النعام.