العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٦٠ - خطب علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه
فمن أخلص في أيام أمله حضور أجله، نفعه عمله و لم يضره أمله؛ و من قصر في أيام أمله قبل حضور أجله، فقد خسر عمله و ضره أمله؛ ألا فاعملوا للّه في الرغبة كما تعملون له في الرهبة، ألا و إني لم أر كالجنة نام طالبها، و لم أر كالنار نام هاربها؛ [ألا و إنه من لا ينفعه الحقّ يضرره الباطل، و من لم يستقم به الهدى يجرّ به الضلال إلى الردى]؛ ألا و إنكم قد أمرتم بالظعن، و دللتم على الزاد، و إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى و طول الأمل.
و خطبة له: قالوا و لما أغار سفيان بن عوف الأزدي على الأنبار في خلافة علي رضي اللّه عنه، و عليها[ابن]حسان البكري، فقتله و أزال تلك الخيل عن مسالحها [١] ، فخرج علي رضي اللّه عنه حتى جلس على باب السّدّة، فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال:
أمّا بعد؛ فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فمن تركه ألبسه اللّه ثوب الذل و شملة البلاء، و ألزمه الصغار، و سامه الخسف، و منعه النّصف [٢] ؛ ألا و إني دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلا و نهارا، و سرا و إعلانا، و قلت لكم: اغزوهم قبل أن يغزوكم، فو اللّه ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلا ذلّوا. فتواكلتم و تخاذلتم، و ثقل عليك قولي فاتخذتموه وراءكم ظهريا؛ حتى شنّت عليكم الغارات؛ و هذا أخو غامد قد بلغت خيله الأنبار، و قتل ابن حسان البكري؛ و أزال خيلكم عن مسالحها؛ و قتل منكم رجالا صالحين، و قد بلغني أنّ الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة و الأخرى المعاهدة، فينزع حجلها و قلبها [٣] و رعاثها [٤] ، ثم انصرفوا وافرين ما كلم رجل منهم؛ فلو أنّ رجلا مسلما مات من بعد هذا أسفا ما كان عندي ملوما، بل كان به عندي جديرا؛ فوا عجبا من جدّ هؤلاء في باطلهم و فشلكم عن حقكم؛ فقبحا لكم و ترحا حين صرتم غرضا يرمى؛ يغار عليكم و لا تغيرون، و تغزون و لا تغزون، و يعصى اللّه و ترضون؛ فإذا أمرتكم بالمسير إليهم في أيام الحرّ، قلتم: حمارّة
[١] المسالح: الثغور.
[٢] النصف: الانتصاف.
[٣] القنب: السوار.
[٤] الرعاث: القرط.