العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٤٧ - خطبة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في حجة الوداع
خذ من نفسك ساعة نشاطك و فراغ بالك و إجابتها إياك، فإنّ قليل تلك الساعة أكرم جوهرا، و أشرف حسبا، و أحسن في الاستماع، و أحلى في الصدور، و أسلم من فاحش الخطأ، و أجلب لكل عين من لفظ شريف، و معنى بديع؛ و اعلم أنّ ذلك أجدى عليك مما يعطيك يومك الأطول بالكدّ و المطاولة و المجاهدة، و بالتكلف و المعاودة، و مهما أخطأك لم يخطئك أن يكون مقبولا قصدا، و خفيفا على اللسان سهلا، و كما خرج من ينبوعه و نجم من معدنه؛ و إياك و التوعّر، فإنّ التوعر يسلمك إلى التعقيد، و التعقيد هو الذي يستهلك معانيك، و يشين ألفاظك. و من أراغ معنى كريما فليلتمس له لفظا كريما، فإنّ حق المعنى الشريف اللفظ الشريف، و من حقهما أن تصونهما عما يفسدهما و يهجنهما، و عما تعود من أجله إلى أن تكون أسوأ حالا منك قبل أن تلتمس إظهارهما، و ترهن نفسك بملابستهما و قضاء حقهما؛ فكن في ثلاثة منازل: فأوّل ذلك أن يكون لفظك رشيقا عذبا، أو فخما سهلا؛ و يكون معناك ظاهرا مكشوفا، و قريبا معروفا، إمّا عند الخاصة إن كنت للخاصة قصدت، و إمّا عند العامّة إن كنت للعامّة أردت؛ و المعنى ليس يشرف بأن يكون من معاني الخاصة، و كذلك ليس يتّضع بأن يكون من معاني العامّة؛ و إنما مدار الشرف على الصواب، و إحراز المنفعة مع موافقة الحال و ما يجب لكل مقام من المقال؛ و كذلك اللفظ العامي و الخاصي؛ فإن أمكنك أن تبلغ من بيان لسانك، و بلاغة لفظك، و لطف مداخلك، و قدرتك في نفسك-أن تفهم العامّة معاني الخاصة، و تكسوها الألفاظ المتوسطة التي لا تلطف عن الدهماء، و لا تجفو عن الأكفاء، فأنت البليغ التام.
فقال له إبراهيم بن جبلة: جعلت فداك، أنا أحوج إلى تعلمي هذا الكلام من هؤلاء الغلمة.
خطبة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في حجة الوداع
إنّ الحمد للّه، نحمده و نستعينه و نستغفره و نتوب إليه، و نعوذ باللّه من شرور أنفسنا، و من سيئات أعمالنا. من يهد اللّه فلا مضلّ له، و من يضلّل فلا هادي له،