العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٠٢ - الحسين و معاوية
الجاهلية عظيما شأنه، و في الإسلام معروفا مكانه؛ و لقد أعطي يوم الفتح ما لم يعط أحد من آبائك، و إن منادي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم نادى: من دخل المسجد فهو آمن، و من دخل دار أبي سفيان فهو آمن؛ و كانت داره حرما، لا دارك و لا دار أبيك؛ و أما هند فكانت امرأة من قريش في الجاهلية عظيمة الخطر؛ و في الإسلام كريمة الخبر، و أما جدك الصّديق فبتصديق عبد مناف سمى صديقا لا بتصديق عبد العزّى، و أما ما ذكرت من جدي المشدوخ ببدر، فلعمري لقد دعا إلى البراز هو و أخوه و ابنه فلو برزت إليه أنت و أبوك ما بارزوكم و لا رأوكم لهم أكفاء، كما قد طلب ذلك غيركم فلم يقبلوهم، حتى برز إليهم أكفاؤهم من بني أبيهم، فقضى اللّه مناياهم بأيديهم فنحن قتلنا و نحن قتلنا. و ما أنت و ذاك؟و أما عمتك أم المؤمنين فبنا شرفت و سميت أمّ المؤمنين، و خالتك عائشة مثل ذلك، و أما صفية فهي أدنتك من الظل، و لو لا هي لكنت ضاحيا؛ و أمّا ما ذكرت من عمك و خال أبيك سيد الشهداء، فكذلك كانوا رحمهم اللّه، و فخرهم و إرثهم لي دونك، و لا فخر لك فيهم و لا إرث بينك و بينهم؛ و أمّا قولك: أنا عبد اللّه و هو معاوية، فقد علمت قريش أيّنا أجود في الأزم [١] ، و أحزم في القدم، و أمنع للحرم؛ لا و اللّه ما أراك منتهيا حتى تروم من بني عبد مناف ما رام أبوك، فقد طالبهم بالذّحول [٢] و قدّم إليهم الخيول، و خدعتم أمّ المؤمنين و لم تراقبوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم إذ مددتم على نسائكم السّجوف [٣] و أبرزتم زوجته للحتوف و مقارعة السيوف، فلما التقى الجمعان نكص أبوك هاربا فلم ينجه ذلك أن طحنه أبو الحسين بكلكله طحن الحصيد بأيدي العبيد، و أمّا أنت فأفلّت بعد أن خمشتك براثينه و نالتك مخاليبه، و ايم اللّه ليقوّمنّك بنو عبد مناف بثقافها، أو لتصبحنّ منها صباح أبيك بوادي السّباع، و ما كان أبوك المرهوب جانبه، و لكنه كما قال الشاعر:
أكيلة سرحان فريسة ضيغم # فقضقضه بالكفّ منه و حطّما [٤]
[١] الأزم: الشدائد.
[٢] الذحول: جمع ذحل، و هو الثأر.
[٣] سجوف: جمع سجف، و هو أحد السترين المقرونين.
[٤] أكيلة: فريسة. و قضقضه: كسره.