منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٧٧٦
الكَتمَينِ ما مَلَأَ الخافِقَينِ ؟ !» . [١] نزرٌ يسير نذكره هنا من تضاعيف النصوص الدينيّة المأثورة عن الفريقين ؛ إذ لا يسَعنا الإحاطة بصفات شخصيّة كشخصيّة عليّ عليه السلام ؛ تلك الشخصيّة المتفرّدة التي لا مثيل لها في الإيمان والعلم والخُلق والفتوّة والشجاعة والرحمة . بل لا نجد إنسانا يحمل بين جنباته خصائص متضادّة ـ لا تُجمع في شخصٍ عادةً ـ كعليّ إذا نظر إلى العدوّ وصاح به في ساحات الوغى ارتعدت فرائصه وبلغ قلبُه حنجرتَه ، ولم يجرُؤ أقرانه على منازلته . وإذا نظر إلى دموع اليتيم مترقرقةً في عينيه ، أو أبصر من حنا الدهرُ ظَهرَه اهتزّ قلبه وجرت دموعه . . . فلذا عُرف بأنّه «جامع الأضداد» ! إنّه العديم النظير في التاريخ كلّه ، وفي جميع الميادين ؛ فهو المعجزة الكبرى للإسلام ولرسول اللّه صلى الله عليه و آله ، وكيف لا يكون كذلك وقد تكفّلته النبوّة واحتضنته الرسالة في حجر هذا الرسول العظيم ، وهو الفاني في جمال الحقّ . لكنّه ـ مع كلّ ذلك ـ كيف كان يرى نفسه في مقابل النبيّ صلى الله عليه و آله ؟ نجد ذلك في جوابه عليه السلام لمّا عَجِب أحدُهم مرّةً من علمه الزاخر ومعرفته العميقة حتى ظنّ أنّه هو رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، فقال له الإمام عليّ عليه السلام : «أنَا عَبدٌ مِن عَبيدِ مُحَمَّدٍ» . [٢] كان عليه السلام منذ الأيّام الاُولى لحياته رفيق رسول اللّه صلى الله عليه و آله وعضده ، وكم يأسر القلوبَ تصويره عليه السلام لهذه المرافقة والملازمة في خطبته الطويلة المعروفة بالقاصعة ! قلب عليّ عليه السلام منهل الوحي الصافي الزلال ، وروحه معطّرة بالتعاليم الربّانيّة ، وقد بلور ذلك كلّه في ميدان القتال والسياسة . وحياة عليّ عليه السلام مزيج عجيب من العلم والعمل ، والزهد والسعي . وهو أسد الحروب والكفاح ، وروحه الكبيرة متعلّقة بالملكوت الأعلى في جوف الليل !
[١] نهج البلاغة : الخطبة ٣ .[٢] التوحيد : ص ١٧٤ ح ٣ .