منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٩٩
أمّا الآن فنمرّ على بعض الأقوال في الآية من خلال المحورين التاليين : ١ . نزول الآية أوّل البعثة ، والخشية من إبلاغ الدين ! يبدو أنّ أوّل من ذهب الى ذلك ـ وان لم يقطع به ـ هو محمّد بن إدريس الشافعي ، فعلى أساس ما ذكره ، أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله بعد أن أتاه الوحي ونزلت عليه : «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ» ، كبر ذلك عليه ، وخاف التكذيب وأن يُتناول من قبل المشركين ، فنزل عليه «يَـأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ» ، وقد كان ذلك عصمة له من قِبَل اللّه سبحانه كي يمضي على تبليغ ما اُمر به بثبات ودون خوف . [١] على أساس هذه الرؤية روي عن الحسن البصري قوله : إنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال : «لَمّا بَعَثَنِيَ اللّه ُ تَعالى بِرِسالَتِهِ ضِقتُ بِها ذَرعَاً ، وَعَرَفتُ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن يُكَذِّبُني» [٢] فأمسك عن الدعوة حتى نزلت عليه الآية . ذكرنا فيما سلف أنّ سورة المائدة هي من بين آخر السور التي نزلت على النبيّ صلى الله عليه و آله إن لم تكن آخرها [٣] . فما الذي كان يريده اللّه سبحانه من قوله : «بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ» ، ولم ينزل على النبيّ صلى الله عليه و آله شيء بعدُ ؟ وما الذي كان يخشاه رسول اللّه صلى الله عليه و آله ويمنعه عن الإبلاغ ولمّا يواجهِ المشركون بعدُ آيةً أو آيات من تلك التي تقضّ مضاجعهم ، وتبعث فيهم النقمة والاهتياج ! إنّ هذا الذي يزعمونه لا يليق بمُبلِّغ عاديّ ، وهو ليس خليق بإنسان متوسّط الحال لايزال في أوّل الطريق ، أفيجوز على رسول اللّه صلى الله عليه و آله وذلك القلب المجدول إلى السماء ، الموصول باللّه أبداً ؟ وهل يتّسق مع خطاه الراسخة وتلك الارادة الصلبة التي لا تعرف الوهن !
[١] الاُمّ : ج٤ ص١٦٨ ، والنصّ طويل وقد أخذنا منه مورد الحاجة .[٢] أسباب النزول للواحدي : ص٢٠٤ ح٤٠٢ .[٣] تفسير ابن كثير : ج٣ ص٣ .