منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٥٥٣
فقد سمّاهم «الشُّكّاك» ، ونبّه أيضا على مواقفهم من الوجهة النفسيّة ، فعن جميل بن درّاج : قالَ رَجُلٌ لِأَبي عَبدِ اللّه ِ [الإِمامِ الصّادقِ] عليه السلام : الخَوارِجُ شُكّاكٌ ؟ فَقالَ : نَعَم . قالَ : كَيفَ وهُم يَدعونَ إلَى البِرازِ ؟ قالَ : ذلِكَ مِمّا يَجِدونَ في أنفُسِهِم [١] . والنقطة الملفتة للانتباه في هذا الحوار هي أنّ السائل يجد صعوبة في أن يقرّ بأنّ رجالاً يشهرون سيوفهم ويقاتلون دفاعا عن عقيدةٍ مشوبة بالشّك والارتياب . وجواب الإمام عليه السلام هو أنّهم لا ينطلقون في تحرّكهم من وحي عقيدةٍ راسخة معيّنة ، بل من وحي عواطف باطنيّة دعتهم إلى اتّخاذ مثل ذلك الموقف ، وهذه النقطة شديدة الإثارة للتأمّل والدعوة إلى الاعتبار ، فقد يحدث ـ بل كثيرا ما يحدث ـ أن يقع الإنسان دونما تفكير أسيرا لعواطفه دفعةً واحدة ، في المواطن المثيرة والمواضع التي تحكمها اللحظة الحاضرة إلى درجة يتعطّل معها عقله بغتةً ، وهو يعيش إعصار العاطفة ، فإذا ما سكن هذا الإعصار وهدأت فورته يفهم الراكب موجته ماذا كان فعل ، وكيف فَقَدَ كنزه ! وكلام الإمام عليه السلام يدلّ على أنّ تحرّك المارقين لم يعتمد على عقيدة راسخة . وفيما ذكرناه ـ وفي غيره من الحقائق التي تصدق على حياة بعضهم ـ إنارة وبيان لهذه الحقيقة .
٢ . حبّ الدنيا
يمكن أن نعدّ حبّ الدنيا وتأثير مغرياتها العامل الثاني لانحراف الخوارج ، مهما تعدّدت أشكال هذا الحبّ ومؤشّراته . وهذا الموضوع في الحقيقة أهمّ عامل في زيغ التيّارات الثلاثة : الناكثين والقاسطين والمارقين . وقد تعرّض الإمام عليه السلام إلى هذه
[١] تهذيب الأحكام : ج٦ ص١٤٥ ح٢٥١ .