منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٦٤٨
٣ . العدالة في التوزيع
تكمن إحدى أهمّ أسباب ابتعاد الخواصّ عن الإمام والتفاف العوام حوله بسياسة العدالة الاقتصاديّة . لطالما حضّ المقرّبون إلى الإمام أن يغضّ الطرف عن هذا النهج ، ليستحوذ على ولاء رؤساء القبائل ، ويستقطب إليه نفوذ الشخصيّات البارزة من خلال منحهم مزايا ماديّة خاصّة . بيدَ أنّ الإمام كان يرى أنّ هذا العرض يتنافى مع اُصول الحكم العلوي ، ويتعارض مع مرتكزاته ، ومن ثمّ فإنّ العمل به معناه أن ينفض الإمام أمير المؤمنين عليه السلام يديه عن أهداف الحكم الإسلامي ، ويتخلّى عن غاياته . لذلك لم يُبدِ استعداداً لقبوله . فيما يلي أمثلة لهذه العروض مقرونة بجواب الإمام عليها : ١ . جاء في كتاب الغارات : شَكَا عَلِيٌّ عليه السلام إلَى الأشتَرِ فِرارَ النّاسِ إلى مُعاوِيَةَ ، فَقالَ الأشتَرُ : يا أمِيرَ المُؤمِنينَ ، إنّا قَاتَلنَا أهلَ البَصرَةِ بِأَهلِ البَصرَةِ وَأَهلَ الكُوفَةِ ، وَالرَّأيُ وَاحِدٌ ، وَقَد اختَلَفُوا بَعدُ ، وَتَعادَوا ، وَضَعُفَتِ النِّيّةُ ، وَقَلَّ العَدلُ ، وَأنتَ تَأخُذُهُم بِالعَدلِ ، وَتَعمَلُ فِيهِم بِالحَقِّ ، وَتُنصِفُ الوَضِيعَ مِنَ الشَّريفِ ، وَلَيسَ لِلشَّريفِ عِندَكَ فَضلُ مَنزِلَةٍ عَلَى الوَضِيعِ ، فَضَجَّت طائِفَةٌ مِمَّن مَعَكَ عَلَى الحَقِّ إذ عُمُّوا بِهِ ، وَاغتَمُّوا مِنَ العَدلِ إذ صارُوا فيهِ ، وَصارَت صَنائِعُ مُعاوِيَةَ عِندَ أهلِ الغِنى وَالشَّرَفِ ، فَتاقَت أنفُسُ النَّاسِ إلَى الدُّنيا ، وَقَلَّ مِنَ النّاسِ مَن لَيسَ لِلدُّنيا بِصاحِبٍ ، وَأكثَرُهُم مَن يَجتَوي الحَقَّ ، وَيَستَمرِي الباطِلَ ، وَيُؤثِرُ الدُّنيا . فإن تَبذُلِ المَالَ يا أمِيرَ المُؤمِنينَ تَمِل إلَيكَ أعناقُ النّاسِ ، وَتَصفُ نَصِيحَتُهُم ، وَتَستَخِلص وُدُّهم . صَنَعَ اللّه ُ لَكَ يا أميرَ المُؤمِنينَ ، وَكَبَتَ عَدُوَّكَ ، وَفَضَّ جَمعَهُم ، وَأوهَنَ كَيدَهُم ، وَشَتَّتَ اُمورَهُم ، إنَّهُ بِما يَعمَلُونَ خَبِيرٌ .