منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٠٠
على صعيد آخر حالت الحروب المتوالية وأجواء المواجهة الدائمة ، دون أن يتمكّن رسول اللّه صلى الله عليه و آله من تعميم ثقافة الرسالة ، ونفوذ معاييرها في واقع ذلك المجتمع ، وعلى مستوى جميع الأبعاد ؛ فما أكثر من حمل عنوان الصحبة وهو لم يتوفّر بعدُ على تصوّر عميق ودقيق لمبادئ الدين ، ولم ينطوِ على معرفة وافية بشخصيّة النبيّ وأبعاد الرسالة . إنّ مجتمعاً كهذا حريّ به أن يواجه الزلزال ، ويُصبح على شفا أزمة عاصفة في اللحظة التي يختفي بها القائد ، وتحيطه أجواء محمومة يكتنفها الاضطراب من كلّ جانب ، مجتمع كهذا حريّ به أن يفقد قدرته على اتّخاذ القرار الصائب ، ولا يلبث أن يقع في الشباك المترصّدة ، ومن ثَمّ يصير طعمة سائغة لألاعيب الساسة وأحابيلهم . فيا ترى ، هل يمكن مع هذا الواقع المتردّي ـ الذي سجّل له التاريخ أمثلة عمليّة كثيرة ـ أن نتصوّر الرسول القائد صلى الله عليه و آله يختار السلبيّة ، ويترك مثل هذا المجتمع للمجهول ، ويدع تحديد مصيره إليه ، دون أن يحمل همّ المستقبل !
ب ـ عدم نضج المجتمع
ركّزنا في نهاية النقطة السابقة على أنّ ورثة هذه الرسالة التغييريّة الشاملة لا يتمتّعون بقاعدة فكريّة وسياسيّة صلبة تسمح لهم أن يفكّروا بالمستقبل ، ويتدبّروا أمره بشكل هادئ رصين ؛ فبقايا الجاهليّة لا تزال تملك أقداماً راسخة ، ولا تزال العصبيّات القبليّة تستأثر بنفوذ كبير في وجودهم . كما أشرنا إلى أ نّهم لا يمتلكون الإدراك الكافي لمعرفة موقع رسول اللّه صلى الله عليه و آله والمكانة العليّة السامقة التي يحظى بها النبيّ ، فهم تارة ينظرون إليه بشراً عاديّاً