منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٥٤٧
لقد احتال ابن العاص وسوّل للجيش مكيدته في وقتٍ أوشك أن يُطوى فيه ملفّ الشام إلى الأبد ، وتستريح الاُمّة من هذه الفتنة العمياء السوداء ، وأمر برفع المصاحف على الرماح دلالةً على الكفّ عن القتال ، وأمارةً على تحكيم كتاب اللّه فيه ، فاتّخذ اُولئك القرّاء موقفهم المُشين المشهور ، وهم المعروفون بسطحيّتهم ونظرهم إلى ظاهر الاُمور لا باطنها ، ولم يروا وجه الحيلة ، فأجبروا الإمام عليه السلام على قبول التحكيم ، والإمساك عن القتال تعظيما لحرمة القرآن بزعمهم ، وأكرهوه على ذلك بالرغم من معارضته عليه السلام ومعه الخاصّة من أصحابه ، وهدّدوه بالقتل عند الرفض ، ولم يكن له عليه السلام سبيل إلّا الاستجابة لذلك المنطق المتعسّف الخاوي الجهول ؛ لما كان لهم من تغلغل ونفوذ في جيشه ، وقَبِل الإمام عليه السلام اقتراحهم ، فاستدعى «مالكا» الذي كان قد تقدّم في المعركة واقترب من فسطاط معاوية . وهكذا انطلت الخديعة ، وواجهت حكومة الإمام عليه السلام مشكلة جدّية .
انفصال القرّاء عن الإمام عليه السلام
ما لبث أن اُميط اللثام ، وافتضحت خديعة معاوية ، وأدرك القرّاء السطحيّون خطأهم وانخداعهم بمكيدة رفع المصاحف ، ولكنّهم بدل أن يستفيقوا فيعيدوا الحقّ إلى نصابه ، والماء إلى مسابه نراهم كابروا بمضاعفة تطرّفهم ، وجهلهم ، وإفراطهم ، ونظرتهم الضيّقة المنغلقة ، واجترحوا سيّئةً أكبر من سابقتها ، فقالوا للإمام عليه السلام : لقد كفرنا بفعلنا هذا ، وإنّا تائبون منه ، وأنت كفرت أيضا ؛ فعليك أن تتوب مثلنا ، وتنكث ما عاهدت عليه معاوية ، وتعود إلى مقاتلته ! ولا ريب في أنّ نكث الإمام عهدَهُ ـ مضافا إلى ما فيه من مخالفةٍ لسيرته واُسلوبه وتعاليم دينه ـ يُفضي إلى تضييق هؤلاء «المتقدّسين» المتعنّتين الخناق على الإمام عليه السلام ، وتحديد نطاق حكومته إلى درجة ينفلت معها زمام الاُمور ، ويفقد عليه السلام