منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣٠١
لقد أشار الإمام منذ يوم البيعة الأوّل إلى نهجه الاُصولي في الإصلاح ، ونبَّه إلى سياساته على هذا الصعيد بشكل مقتضب وعامّ ، وهو يقول : «إعلَمُوا أنّي إن أَجَبتُكُم رَكِبتُ بِكُم ما أعلَم ، وَلَم اُصغِ إلى قَولِ القائِلِ ، وَعَتبِ العاتِبِ» . [١] وفي ثاني أيّام خلافته اعتلى المنبر ، ثمّ راح يُصرّح بما كان قد أشار إليه في اليوم السابق ، وهو يقول : «ألا إنَّ كُلَّ قَطِيعَةٍ أقطَعَها عُثمان ، وَكُلَّ مالٍ أعطَاهُ مِن مالِ اللّه ِ فَهوَ مَردُودٌ في بَيتِ المالِ ؛ فإنَّ الحَقَّ القَديمَ لا يُبطِلُهُ شَيءٌ ، ولَو وَجَدتُه وَقَد تُزُوِّجَ بِهِ النِساء وَفُرِّقَ فِي البُلدانِ ، لَرَدَدتُهُ إلى حالِهِ ؛ فإنَّ في العَدلِ سِعَةً ، وَمَن ضاقَ عَلَيهِ العَدلُ فَالجُور عَلَيهِ أضيَقُ» . لقد تحدَّث الإمام بإسهاب في خطاب تفصيليّ ألقاه في ذلك اليوم عن مسؤوليّة قادة المجتمع في بسط العدالة الاجتماعيّة ، وأعلن بوضوح أنّه لن يسمح لأحدٍ ـ دون استثناء ـ من استغلال المال العامّ ، وأنّ اُولئك الَّذين راكموا ثرواتهم عبر غصب المال العامّ وحصلوا ـ عن هذا الطريق ـ على الأراضي الخصبة (القطائع) والخيول المسوّمة والجواري الحسان ، سيعمد علي إلى مصادرة هذه الثروات المغصوبة بأجمعها وردّها إلى بيت المال . كان هذا الحديث لأمير المؤمنين عليه السلام بمنزلة الصاعقة الَّتي نزلت على رؤوس من يعنيهم الأمر ، حيث راحت أصداء مواجهة نداء العدالة العلويّة تتجسّد في معارضة شخصيّات معروفة لحكم الإمام . وفي اليوم الثالث من أيّام عهد الإمام دعا النّاس إلى استلام أعطياتهم من بيت المال ، حيث أمر عليه السلام كاتبه عبيد اللّه بن أبي رافع أن يسير على النهج التالي : «اِبدَأ بِالمُهاجِرينَ فَنادِهِم وَأعطِ كُلَّ رَجُلٍ مِمَّن حَضَرَ ثَلاثَةَ دَنانِير ، ثُمَّ ثَنِّ بِالأنصارِ فَافعَل مَعَهُم مِثلَ ذلِكَ ، ومَن حَضَرَ مِنَ النّاسِ كُلّهِم الأحمَرَ والأسوَدَ فَاصنَع بِهِ مِثلَ ذلِكَ» .
[١] راجع : موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام : ج ٢ (القسم الخامس / الفصل الثاني / صوت العدالة وصداها) .