منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٥٢
وقد دفع هذا الإيثار الرائع الملائكة الكروبيّين إلى الاستحسان والإعجاب به . وباهى اللّه سبحانه ملائكته بهذا المشهد العجيب لنكران الذات [١] ، فأنزل الآية الكريمة : «وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ . . .» لتخليد هذه المنقبة ، وتكريم هذا الإيثار وهذه الفضيلة الرفيعة في أروقة التاريخ . و بعد تلك الليلة كان عليه السلام يذهب إلى غار «ثور» ليُوصل ما يحتاج إليه النبيّ صلى الله عليه و آله و رفيقه [٢] . فأوصاه رسول اللّه صلى الله عليه و آله بردّ الأمانات ، واللحاق به في المدينة . [٣] وبعد مدّة ترك عليه السلام مكّة قاصداً يثرب ومعه الفواطم ؛ اُمّه فاطمة بنت أسد ، والسيّدة فاطمة الزهراء ، وفاطمة بنت الزبير بن عبد المطّلب . فعلمت قريش بذلك ، وعزمت على منعه فبعثت ببعض فرسانها خلفه ، بيد أنّهم اصطدموا بموقفه الشجاع الجريء ورجعوا خائبين [٤] . وكان النبيّ صلى الله عليه و آله ينتظره في «قبا» ، حتى إذا لحق به ، توجّهوا نحو يثرب . [٥]
١٧.تاريخ دمشق عن أبي رافع : إنَّ عَلِيّا كانَ يُجَهِّزُ النّبِيَّ صلى الله عليه و آله حينَ كانَ بِالغارِ ويَأتيهِ بالطَّعامِ ، وَاستَأجَرَ لَهُ ثَلاثَ رَواحِلَ ؛ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه و آله ولِأَبي بَكرٍ و[لِ]دَليلِهِمُ ابنِ اُرَيقِطٍ ، وخَلَّفَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه و آله ، لِيُخرِجَ إلَيهِ أهلَهُ ، فَأَخرَجَهُم [٦] ، وأمَرَهُ أن يُؤَدِّيَ عَنهُ أمانَتَهُ ووَصايا مَن كانَ يوصي إلَيهِ ، وما كانَ يُؤتَمَنُ عَلَيهِ مِن مالٍ ، فَأَدّى أمانَتَهُ كُلَّها . وأمَرَهُ أن يَضطَجِعَ عَلى فِراشِهِ لَيلَةَ خَرَجَ ، وقالَ : إنَّ قُرَيشا لَن يَفقِدوني ما رَأَوكَ ،
[١] مجمع البيان : ج٢ ص٥٣٥ .[٢] تاريخ دمشق : ج٤٢ ص٦٨ .[٣] السنن الكبرى : ج٦ ص٤٧٢ ح١٢٦٩٧ .[٤] الأمالي للطوسي : ص٤٧٠ ح١٠٣١ .[٥] الطبقات الكبرى : ج٣ ص٢٢ .[٦] في المصدر: «وخلَّفه النبيّ فخرج إليه أهله فخرج» ، والصحيح ماأثبتناه كما في بحار الأنوار والمصادر الاُخرى .