منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٥٤٣
حال لو لم يكن إلّا الحديث الذي أوردناه آنفا لكفى به برهانا على ما نقول . وكان النبيّ صلى الله عليه و آله يوصي أصحابه دائما ألّا يتجاوزوا حدّ الاعتدال في اُمور الدين ، ولا يُحرجوا أنفسهم ، ولا يفقدوا حماسهم ونشاطهم في العبادة ، وأن يُراعوا حدود السنّة ، ولأنّ المجال هنا يضيق عن ذكر جلّ وصاياه وتعاليمه التربويّة المليئة بالدروس والعبر ، الجديرة بالقراءة والتأمّل . فإننا نذكر نزرا يسيرا منها : «ألا وإنَّ لِكُلِّ عِبادَةٍ شِرَّةً ، ثُمَّ تَصيرُ إلى فَترَةٍ ، فَمَن صارَت شِرَّةُ عِبادَتِهِ إلى سُنَّتي فَقَدِ اهتَدى ، ومَن خالَفَ سُنَّتي فَقَد ضَلَّ ، وكانَ عَمَلُهُ في تَبابٍ ، أما إنّي اُصَلّي وأنامُ ، وأصومُ واُفطِرُ ، وأضحَكُ وأبكي ؛ فَمَن رَغِبَ عَن مِنهاجي وسُنَّتي فَلَيسَ مِنّي» [١] . وكان صلى الله عليه و آله ينظر في مرآة الزمان إلى أفراد من اُمّته يناهضون الحقّ لإفراطهم وتطرّفهم ، ويصرّون على موقفهم إصرارا سُرعان ما يُبعدهم عن الدين وحقائقه ، ولذا قال في حقّهم : «إنَّ أقواما يَتَعَمَّقونَ فِي الدّينِ ، يَمرُقونَ كَما يَمرُقُ السَّهمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ» [٢] . وقال مشيرا إلى علامات هؤلاء : «إنَّ فيكُم قَوما يَعبُدونَ ويَدأَبونَ يَعني يُعجِبونَ النّاسَ وتُعجِبُهُم أنفُسُهُم ، يَمرُقونَ مِنَ الدّينِ كَما يَمرُقُ السَّهمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ» . فالتعمّق هو التطرّف والإفراط ، وإذا ما جُعل ميزانا لأفعال الآخرين فلا يُنتج إلّا الحكم الجائر ؛ فيرى الحقّ دوما في جانبه ، وليس للآخرين حظٌّ منه ، وهذا النوع من الرؤى هو الذي يسبّب الفرقة ، ويستتبع الزيغ ويوجِد الشقاق ، وبالتالي فيصبح دعامة للكفر ، وحسبنا في المقام كلام أمير المؤمنين عليه السلام في بيان هذه الحقيقة ، وأنّ التعمّق أحد اُسس الكفر ، إذ يقول :
[١] الكافي : ج٢ ص٨٥ ح١ .[٢] مسند ابن حنبل : ج ٤ ص ٣١٨ ح ١٢٦١٥ .