منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٧٨١
رَسولِ اللّه ِ صلى الله عليه و آله ، فَاُسمِعَ الهُتافَ مِنَ الأَحجارِ وَالأَشجارِ ، وكُشِفَ عَن بَصَرِهِ ، فَشاهَدَ أنوارا وأشخاصا ، ولَم يُخاطَب فيها بِشَيءٍ . وهذِهِ السَّنَةُ هِيَ السَّنَةُ الَّتِي ابتَدَأَ فيها بِالتَّبَتُّلِ وَالاِنقِطاعِ وَالعُزلَةِ في جَبَلِ حِراءَ ، فَلَم يَزَل بِهِ حَتّى كوشِفَ بِالرِّسالَةِ ، واُنزِلَ عَلَيهِ الوَحيُ . وكانَ رَسولُ اللّه ِ صلى الله عليه و آله يَتَيَمَّنُ بِتِلكَ السَّنَةِ وبِوِلادَةِ عَلِيٍّ عليه السلام فيها ، ويُسَمّيها سَنَةَ الخَيرِ وسَنَةَ البَرَكَةِ ، وقالَ لِأَهلِهِ لَيلَةَ وِلادَتِهِ ، وفيها شاهَدَ ما شاهَدَ مِن الكَراماتِ وَالقُدرَةِ الإِلهِيَّةِ ، ولَم يَكُن مِن قَبلِها شاهَدَ مِن ذلِكَ شَيئا : «لَقَد وُلِدَ لَنَا اللَّيلَةَ مَولودٌ يَفتَحُ اللّه ُ عَلَينا بِهِ أبوابا كَثيرَةً مِنَ النِّعمَةِ وَالرَّحمَةِ» . وكانَ كَما قالَ صَلَواتُ اللّه ِ عَلَيهِ ؛ فَإِنَّهُ عليه السلام كانَ ناصِرَهُ وَالمُحامِيَ عَنهُ وكاشِفَ الغَمّاءِ عَن وَجهِهِ ، وبِسَيفِهِ ثَبَتَ دينُ الإِسلامِ ، ورَسَت دَعائِمُهُ ، وتَمَهَّدَت قَواعِدُهُ» . [١] ويقول الكاتب المسيحي الشهير جورج جرداق : «وإذا أسلَمَ بَعضُ الوُجوهِ مِن قُرَيشٍ مُنذُ أوَّلِ الدَّعوَةِ احتِكاما لِلعَقلِ وتَخَلُّصا مِنَ الوَثَنِيَّةِ ؛ وإذا أسلَمَ كَثيرٌ مِنَ العَبيدِ وَالأَرِقّاءِ وَالمُضطَهَدينَ طَلَبا لِلعَدالَةِ الَّتي تَتَدَفَّقُ بِها رِسالَةُ مُحَمَّدٍ ، وَاستِنكارا لِلجَورِ الَّذي يُلهِبُ ظُهورَهُم بِسِياطِهِ ؛ وإذا أسلَمَ قَومٌ بَعدَ انتِصارِ النَّبِيِّ امتِثالاً لِلواقِعِ وتَزَلُّفا لِلمُنتَصَرِ كَما هِيَ الحالُ بِالنِّسبَةِ لِأَكثَرِ الأَمَوِيّينَ ؛ إذا أسلَمَ هؤُلاءِ جَميعا في ظُروفٍ تَتَفاوَتُ مِن حَيثُ قيمَتِها ومَعانيهَا الإِنسانِيَّةِ ، وتَتَّحِدُ في خُضوعِها لِلمَنطِقِ أو لِلواقِعِ الرّاهِنِ ، فَإِنَّ عَلِيَّ بنَ أبي طالِبٍ قَد وُلِدَ مُسلِما ؛ لِأَ نَّهُ مِن مَعدِنِ الرِّسالَةِ مَولِدا ونَشأَةً ، ومِن ذاتِهِ خَلقا وفِطرَةً . ثُمَّ إنَّ الظَّرفَ الَّذي أعلَنَ فيهِ عَمّا يَكمُنُ في كِيانِهِ مِن روحِ الإِسلامِ ومِن حَقيقَتِهِ ، لَم يَكُن شَيئا مِن ظُروفِ الآخَرينَ ولَم يَرتَبِط بِموجِباتِ العُمُرِ ؛ لِأَنَّ إسلامَ عَلِيٍّ كانَ أعمَقَ مِن ضَرورَةِ الاِرتِباطِ بِالظُّروفِ إذ كانَ
[١] العَرْف : الريح الطيّبة (النهاية : ج٣ ص٢١٧) .[٢] نهج البلاغة : الخطبة ١٩٢ .[٣] نهج البلاغة : الخطبة ٥٧ .[٤] شرح نهج البلاغة : ج٤ ص١١٤ .[٥] الإمام عليّ صوت العدالة الإنسانيّة : ص٣٨ .[٦] التاريخ الكبير : ج٦ ص٢٥٩ الرقم ٢٣٤٣ .[٧] الطبقات الكبرى : ج٣ ص٢١ .[٨] الكافي : ج٨ ص٣٣٩ ح٥٣٦ .[٩] الكامل في التاريخ : ج١ ص٤٨٤ .[١٠] الاستيعاب : ج٣ ص١٩٩ الرقم١٨٧٥ .[١١] الاستيعاب : ج٣ ص١٩٩ الرقم١٨٧٥ .[١٢] تاريخ دمشق : ج٤٢ ص٢٦ .[١٣] تاريخ خليفة بن خيّاط : ص١٥٠ .[١٤] فضائل الصحابة لابن حنبل : ج٢ ص٥٨٩ ح٩٩٨ .[١٥] لأ نّه عليه السلام ـ على المشهور ـ ولد بعد عام الفيل بثلاثين سنة (راجع : موسوعة عليّ بن أبي طالب عليه السلام : ج ١ ص ٦١ «المولد») وأيضا ـ على المشهور ـ كان عمره عليه السلام يوم استشهد في سنة (٤٠ ه) ٦٣ سنة (راجع: موسوعة عليّ بن أبي طالب عليه السلام : ج ٤ ص ٢٩٨ «تاريخ شهادته») ومجموعهما يدلّ على أنّه عليه السلام كان ابن عشر سنين عند البعثة .[١٦] نستثني من الذين سبقهم الإمام عليه السلام إلى الإيمان والعبادة خديجة عليهاالسلام ، إذ يحتاج هذا الموضوع إلى دراسة مستقلّة .