منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٦٧٧
إحدى القرائن الاُخرى الجديرة بالتأمّل في هذا السياق هو دور الأشعث في هذه الواقعة ؛ فهو لم يكن مؤيّدا للإمام من كلّ قلبه ، بل إنّه هدّد الإمام بالقتل ، ووصفه الإمام علانية بالنفاق ، ولكن بما أنّه كان رئيسا لقبيلة كندة ، فإنّ الإمام كان ينتهج معه اُسلوب المداراة ؛ لأنّ إبعاده عن الإمام كان يخلق له مشكلة مع تلك القبيلة الكبيرة ويمنعها من الوقوف إلى جانبه . إنّ دور الأشعث في فرض التحكيم على الإمام ، واختيار أبي موسى للتحكيم وما تبع ذلك من وقائع ، ينمّ عن علاقاته الخفية بمعاوية . وعلى هذا الأساس فإنّ علمه المسبق بعملية الاغتيال قبل وقوعها ، وعلاقة ابن ملجم به قبل تنفيذ العملية يعدّ مؤشّرا على وجود يد لدمشق في تلك الحادثة . نقل ابن أبي الدنيا عن اُستاذه عبد الغفّار أنّه قال : «سَمِعتُ غَيِرَ واحِدٍ يَذكُرُ أَنَّ اِبنَ مُلجَمٍ باتَ عِندَ الأَشعَثِ بنِ قَيسٍ ، فَلَمّا أسحَرَ جَعَلَ يَقُولُ لَهُ : أَصبَحتَ» . [١] ونقل الكثير من المؤرّخين أنّ ابن ملجم عندما مرّ بالأشعث عند المسجد قبل الإقدام على عملية الاغتيال ، قال له : «النَّجاءَ النَّجاءَ لِحاجَتِكَ فَقَد فَضِحَكَ الصُّبحُ» . ولما سمع حُجر بن عدي مقالته عرف مقصوده ، فقال له : «قَتَلتَهُ يا أَعوَرُ» ، وخرج من المسجد من ساعته ليبلغ الإمام بالقضية ، ولكنّ الإمام كان قد دخل من باب آخر ، وعندما وصل حجر ، كان الرَّجل قد ضرب الإمام ! يمكن لهذه القرائن أن تؤيّد تدخّل دمشق في اغتيال الإمام ، ولكن لا بمعنى نفي أي دور للخوارج في ذلك الاغتيال ، ولكن يعني أنّهم اُقدموا على هذا العمل تحت تأثير مكائد معاوية ولو عن طريق وسطاء ، مثلما يسري هذا الاحتمال على قضية فرض التحكيم على الإمام .
[١] مقتل أميرالمؤمنين عليه السلام لابن أبي الدنيا : ص٣٦ ح٢٣ .