منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٢٠٣
أمين الوحي جبرائيل عليه السلام كان قد حمل في الأيّام الأخيرة عن اللّه سبحانه ، إلى أمين الرسالة صلى الله عليه و آله أهميّة هذا الإبلاغ ، وأكّد على ضرورته مرّات ، وأنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله تحدّث عن توجّسه وخيفته ؛ وها هو الآن البلاغ الأخير يقرع فؤاده : «يَـأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ» . [١] «يَـأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ» . مخاطبة رسول اللّه صلى الله عليه و آله بعنوان الرسالة هو الخطاب الخليق بصفة التبليغ . إيهٍ يا نبيّ اللّه ! هل تتوجّس ؟ تُساورك الخشية ، وتنتابك الخِيفة ؟ لكن أيّ شيء هو شأنك غير البلاغ والدعوة ؟ وهل لك مسؤوليّة اُخرى غير أن تصدع بكلمات اللّه وتجهر بها ؟ فادعُ ـ إذا ـ واصدع وبلّغ ، إنّما بدقّةٍ متناهية ، وبصيغة مؤثّرة وثابتة «وَ مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَا الْبَلَـغُ» . «مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ» . تُرى ما الذي «أُنزِلَ إِلَيْكَ» ؟ ولماذا لم يُصرّح به ؟ إنّما كان ذلك كي يكشف عن الموقع الرفيع الذي يحظى به الأمر . وجاء بهذه الصيغة إجلالاً وتعظيماً لذلك الأمر ، ولكي يُشير إلى أنّه ليس لرسول اللّه صلى الله عليه و آله من الأمر شيء ، ولا له فيه إرادة واختيار ، بل مهمّته الإبلاغ وحسب . من جهة اُخرى تنمّ هذه الصيغة عن صحّة فراسة النبيّ لما كان يرتقبه من ردود فعل متوجّسة تصدر عن القوم ، ممّا جعل اللّه سبحانه يدع الأمر في هالة من
[١] نظراً لما كان يحظى به هذا البلاغ من أهمّية خطيرة ، وما كان له من دور مصيري عظيم ، فقد اُطلق على هذه الحجّة «حجّة البلاغ» . ما أروعه من اسم يستوطن النفس ويحفّز الذاكرة ، لكن وا أسفاه للمؤرّخين الذين مالوا إلى محو هذا الاسم المعبّر الأخّاذ عن الذاكرة ! يكتب ابن إسحاق في هذا السياق : «فكانت حجّة البلاغ ، وحجّة الوداع ، وذلك أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله لم يحجّ بعدها» (السيرة النبويّة لابن هشام : ج٤ ص٢٥٣) .