منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٩٧
الناس كلمات اللّه وهدي السماء وتعاليمها ، ثم هو الآن في مواجهة «أمر» بلغ من عظيم شأنه وجلال خطره ، أنّه إذا لم يُعلنه تصير «الرسالة» بأتمّها عرضة للضياع ، حتى لكأنّه ما بلّغ من «الرسالة» شيئاً . هذا بدوره يُثبت صحّة الروايات التي ذهبت إلى أنّ نزول الآية جاءَ في سياق سورة «المائدة» ، ومن جملة آخر الآيات المدنيّة ، لا أنّها مستثناة منها ، وأنّها نزلت في مكّة ! ٣ . قوله : «وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ» . ما الذي يخشاه النبيّ ؟ القتل ؟ ! الأذى والتعذيب ؟ ! أم اهتياج المشركين واليهود وتفجّر سخطهم ؟ ! هذه سيرة رسول اللّه صلى الله عليه و آله تفصح بأنّ هذا العظيم لم يعرف الخوف إلى قلبه طريقاً قط عندما يتعلّق الأمر به . ثمّ اسمعوا وحي السماء ؛ لتروا كيف تصف صلابة رُسُل اللّه ، وشموخ حمله الرسالات وثباتهم : «الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَ لَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَا اللَّهَ وَ كَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا » [١] ! أوَ بعد هذا ، يجوز أن يُنعت رسول اللّه صلى الله عليه و آله بالخوف من البطش والأذى ، أو الرهبة مِن القتل والتعذيب ، وهو أفضل الرسل الكرام ، وخاتم النبيّين ، والحلقة الأخيرة في موكب حملة الحقّ ورسالات السماء ! هي إذاً خشيةٌ ، بيد أنّها من «لون» آخر ، فما كان يخشاه النبيّ هو أن لا يؤتي «البلاغ» ثماره المرجوّه ، وما كان يبعث على توجّسه هو طبيعة الجوّ الذي يمنع من نفاذ كلمة الحقّ ، ويردع عن أن يؤتي «البلاغ» آثاره المطلوبة . هذا ما كان يخشاه النبيّ ويبعث في نفسه التوجّس لاغير .
[١] المائدة : ٦٧ .[٢] شواهد التنزيل : ج١ ص٢٥٤ ح٢٤٨ .[٣] الأحزاب : ٣٩ .[٤] الاُمّ : ج٤ ص١٦٨ ، والنصّ طويل وقد أخذنا منه مورد الحاجة .[٥] أسباب النزول للواحدي : ص٢٠٤ ح٤٠٢ .[٦] تفسير ابن كثير : ج٣ ص٣ .[٧] الدرّ المنثور : ج٣ ص١١٨ .[٨] تفسير الفخر الرازي : ج١٢ ص٥٣ .[٩] نفس المصدر .