منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٥٠
على مدلول أعظم ، وغاية أسمى تتخطّى حدود الحبّ الصوري العادي . ولطالما تساءلنا عن هذا العناء الذي تجشّمه الناس في تلك الظهيرة الحارقة ؛ فهل كانت هذه المشقّة والأذى البليغ من أجل أن يسمع الناس كلاماً يوصيهم بحبّ عليّ ؟ ! تكشف هذه المؤشّرات بأجمعها أنّ ما كان يبتغيه رسول اللّه صلى الله عليه و آله بجملته تلك يتخطّى هذه التصوّرات العاديّة ، ويتجاوزها إلى مدلول أهمّ وأخطر ، هذا المدلول هو الذي أملى على النبيّ صلى الله عليه و آله أن يعدّ ـ بأمر اللّه ـ هذا المشهد العظيم بوقائعه الأخّاذة ، ومعانيه التي لا تُنسى ، كي يصدع مرّة اُخرى بذلك البلاغ الخطير ، باُسلوب أوضح ، حتى يعود المسلمون إلى ديارهم ومواطن سكناهم وفي أفئدتهم صدى الكلمات التي سمعوها في خطاب الرسول ، وفي ضمائرهم والعقول يستقرّ ذلك البلاغ الخطير . هل لعقل أن يفهم من المشهد غير هذا ؟ وهل ثمّ عقل يسيغ تلك التوجيهات والدعاوى الواهية التي ساقوها من حول الواقعة ! «إِنَّ فِى ذَ لِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ» . {-٣-}
ب ـ القرائن في الواقعة نفسها
١ . نزول الآيتين
لا جدال في أنّ الآيتين (٣) و (٦٧) من سورة المائدة نزلتا بشأن واقعة الغدير ، فقد نزل الأمر إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله بالبلاغ (الآية : ٦٧) فأعدّ له ذلك المشهد المهيب الذي تجمّعت فيه آلاف الاُلوف ، حتى إذا ما انتهى النبيّ من البلاغ ، ومن قوله : «مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاهُ» نزلت الآية الاُخرى وهي تتحدّث عن إكمال الدين وتمام النعمة .
[١] إشارة إلى كلام الإمام أمير المؤمنين عليه السلام يصف فيه النبيّ صلى الله عليه و آله ، بقوله : «طبيب دوّار بطبّه» . راجع : نهج البلاغة : الخطبة ١٠٨ .[٢] وفيات الأعيان : ج٥ ص٢٣١ .[٣] ق : ٣٧ .