منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٤٨
بمغادرة مكّة عائدين إلى ديارهم ومواضع سكناهم بعد أن انتهت المراسم . أفواج تتلوها أفواج ، وقوافل يتبع بعضها أثر بعض ، تترك البيت العتيق قاصدة العودة بأهلها من حيث أتوا . كذلك مضت قافلة رسول اللّه صلى الله عليه و آله ترسل خطاها الثابتة صوب المدينة . اقتربت القافلة النبويّة من «وادي خمّ» وهو وادٍ موصوف بكثرة الوخامة وشدّة الحر [١] ، فجاء وحي السماء من فوره ، يأمر النبيّ أن يقف حيث هو . وراح منادي رسول اللّه صلى الله عليه و آله يأمر من تقدّم أن يعود ، ويحبس من تأخر ؛ ليجتمع الناس سواءً في مكان واحد ، حيث لم تتشعّب بهم الطريق بعد . أرض جرداء غير مسكونة مفتوحة على صحراء ممتدّة الشمس فوق الرؤوس حارّة لاهبة ، وقد أمر النبيّ صلى الله عليه و آله أن يصنعوا له موضعاً يرتقيه من أقتاب الإبل ، حتى إذا خطب بالحاضرين يراه الجميع ويسمعونه . احتشد المكان بعشرات الاُلوف ، أدّى النبيّ صلى الله عليه و آله صلاة الظهر ، ثمّ راح يستعدّ لالقاء خطابه بعد أن أمرهم بالتجمّع ، ازداد تجمهر الحشود واقترابها إلى حيث يقف النبيّ مستعدّاً لأمرٍ مهم . الشمس تستقرّ في كبد السماء فترسل بأشعّتها الحارقة ، فتتحوّل الصحراء في تلك الظهيرة إلى كتلة ملتهبة . الحاضرون يضعون الأردية والملابس فوق الرؤوس وتحت الأقدام علّها تقيهم شيئاً من الرمضاء الحارقة وأشعّة الشمس المتوهّجة ، وبعضهم يفى ء إلى المتاع والرحال يلوذ بظلاله . مشهد يقتحم الذاكرة ويستعصي على النسيان . رسول اللّه صلى الله عليه و آله يصعد الموضع الذي صنعوه مِن الرحال وأقتاب الإبل ، وبصوته النديّ الشجيّ مضى يملأ بكلماته الأفئدة والأسماع ، ويُلقي خطبته على عشرات الاُلوف من المسلمين الذين أنهوا الحجّ لتوّهم .
[١] إشارة إلى كلام الإمام أمير المؤمنين عليه السلام يصف فيه النبيّ صلى الله عليه و آله ، بقوله : «طبيب دوّار بطبّه» . راجع : نهج البلاغة : الخطبة ١٠٨ .[٢] وفيات الأعيان : ج٥ ص٢٣١ .[٣] ق : ٣٧ .