منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٤٧
أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قد عيّن في ذلك المشهد المهيب قائد المستقبل ، وحدّد للاُمّة الإسلاميّة الإمام المرتقب . وما يمكن أن نضيفه الآن ، أنّ من يعتقد أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله لم يكن قد صدع بالولاية في ذلك الجمع العظيم ، ولم يكن قد أعلن الخلافة عبر ذلك الخطاب الذي تفجّر حماساً وتركيزاً على هذه النقطة ، ومن ثَمّ فإنّ من يذهب إلى أنّ النبيّ قد اختار موقف الصمت إزاء مستقبل الاُمّة وغد الرسالة ، لا يسعه أن يدرك مِن الذي ذكرناه دلالته على المستقبل ، وسيكون عاجزاً عن أن يفهم منه تعييناً للإمامة التي تتبوّأ القيادة بعد النبيّ . تماشياً مع قناعة هذا النظر ينبغي أنّ نفترض أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله لم يكن قد فكّر في مستقبل الرسالة ، ولم يرسم لغد الاُمّة بعده مشروعاً محدّداً واضح المعالم والأركان ، ولم يحدّد موقع الإمامة بعد غيابه ، بل ترك الاُمّة كقطيع دون راعٍ ، وكهباء ضائع في خلاء ، ومن ثمَّ فهو لم يجهر بالحقيقة الناصعة على هذا الصعيد ولم يعلنها بلاغاً صادعاً تتناقله العصور والأجيال ! هذا مع أ نّنا رأينا في مطلع البحث أنّ الفرضيّات الاُخرى حيال مستقبل الاُمّة ، غير نظريّة النصّ على القيادة ، تتّسم بأجمعها بالسقم والاضطراب وعدم الصواب . والسؤال مجدّداً : أ يقبل العقل ـ أيّ عقل كان ـ هذه السلبيّة واللامبالاة على هذا «الطبيب الدوّار» [١] ؟ وهل يصدق هذا على نبيّ لبث شامخاً ناهضاً متفانياً لم يتلعثم عزمه قط ، ولم يكفّ عن التفكير في مستقبل الاُمّة والرسالة لحظة واحدة ؟ حاشا رسول اللّه أن يفعل ذلك ، وجلّت عن ذلك حكمته وصوابه ، وحزمه وثباته . ٢ . كيفيّة انبثاق المشهد وانطلاق البلاغ : حجّ المسلمون مع رسول اللّه صلى الله عليه و آله وهمّوا
[١] إشارة إلى كلام الإمام أمير المؤمنين عليه السلام يصف فيه النبيّ صلى الله عليه و آله ، بقوله : «طبيب دوّار بطبّه» . راجع : نهج البلاغة : الخطبة ١٠٨ .[٢] وفيات الأعيان : ج٥ ص٢٣١ .[٣] ق : ٣٧ .