منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٠٨
ولَقَد كُنتُ أتَّبِعُهُ اتِّباعَ الفَصيلِ أثَرَ اُمِّهِ ، يَرفَعُ لي في كُلِّ يَومٍ مِن أخلاقِهِ عَلَماً ، ويَأمُرُني بِالاِقتِداءِ بِهِ . ولَقَد كانَ يُجاوِرُ في كُلِّ سَنَةٍ بِحِراءَ ، فَأَراهُ ولا يَراهُ غَيري ، ولَم يَجمَع بَيتٌ واحِدٌ يَومَئِذٍ فِي الإِسلامِ غَيرَ رَسولِ اللّه ِ صلى الله عليه و آله وخَديجَةَ وأنَا ثالِثُهُما ؛ أرى نورَ الوَحيِ وَالرِّسالَةِ ، وأشُمُّ ريحَ النُّبُوَّةِ . ولَقَد سَمِعتُ رَنَّةَ الشَّيطانِ حينَ نَزَلَ الوَحيُ عَلَيهِ صلى الله عليه و آله ، فَقُلتُ : يا رَسولَ اللّه ِ ! ما هذِهِ الرَّنَّةُ ؟ فَقالَ : هذَا الشَّيطانُ قَد أيِسَ مِن عِبادَتِهِ . إنَّكَ تَسمَعُ ما أسمَعُ ، وتَرى ما أرى ، إلّا أ نَّكَ لَستَ بِنَبِيٍّ ، ولكِنَّكَ لَوَزيرٌ ، وإنَّكَ لَعَلى خَيرٍ» . [١] إنّ الأحاديث النبويّة التي تصرّح بإمامة عليّ بن أبي طالب وولايته ، هي من الشمول والكثرة بحيث لا تدع مجالاً للاسترابة والشكّ . فنبيّ اللّه لم يصدع بـ «حقّ الخلافة» للإمام ولـ «خلافة الحقّ» هذه مرّة واحدة أو مرّتين ، بل فعل ذلك عشرات المرّات بالإشارة وبالصراحة ، وحدّد مشروعاً واضحاً لمستقبل الاُمّة وغد الرسالة ، على مرأى من المسلمين جميعاً . لقد امتدّت عمليّة إعلان هذا الحقّ العلويّ والإجهار به ونشره إلى أبعد مدى ، لتستوعب من حياة النبيّ جميع سنّي عمره في تبليغ الرسالة ، حتى بلغت في واقعة الغدير ذروتها القصوى ، واستقرّت على قمّتها الشاهقة . إنّ من يتأمّل هذه المواضع بأجمعها (ممّا سيأتي توثيقه في هذا الفصل مختصرا) لا يستريب لحظة في أنّ إمامة الاُمّة وقيادة المستقبل ، لهي في طليعة شواغل النبيّ الأقدس صلى الله عليه و آله ، وهي بنظره المهمّة الاُولى التي لا تتقدّمها مهمّة . لهذا ما وجد فرصة مواتية إلّا وأعلن فيها هذه الحقيقة ، وما وجد موضعاً مناسباً إلّا وأفاد منه في إبلاغ هذا الأمر الإلهي .
[١] اقتبسنا أنوار هذا التحليل العقلي من الكتاب القيّم «نشأة التشيّع والشيعة» : ص٢٣ ـ ٥٦ للمفكّر الفقيه آية اللّه العظمى الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر ، مع إيضاحات كثيرة منّا وعزو النقولات إلى مصادرها .[٢] نهج البلاغة : الخطبة ١٩٢ .[٣] ذكرت وثائق وأدلّة كثيرة تخصّ هذا الموضوع في موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، وقد أوجزناها في هذا الكتاب ، للاطّلاع على المزيد راجع : موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام : ج ١ (القسم الثالث / جهود النبي صلى الله عليه و آله لقيادة الإمام عليّ عليه السلام ) .