منهاج الصالحين - الوحيد الخراساني، الشيخ حسين - الصفحة ٥٤ - الجهة الأولى
عن عبد اللّه بن سنان، قال: سألت أبا عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق (عليهما السلام)، فقلت: «الملائكة أفضل أم بنو آدم؟ فقال: قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام):
إنّ اللّه عزّ و جلّ ركّب في الملائكة عقلا بلا شهوة، و ركّب في البهائم شهوة بلا عقل، و ركّب في بني آدم كليهما، فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة، و من غلبت شهوته عقله فهو شرّ من البهائم»
[١]. و كان هذا الخلق في غاية الإبداع بحيث صار- بعد تسويته و نفخ الروح المضاف إلى اللّه تعالى [٢] فيه- مخلوقا استثنائيّا من بين كلّ الموجودات، و تظهر عظمة خلقه من قوله تعالى: ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [٣].
و الإنسان يدرك أنه لم يخلق لحياة مادّية محدودة، فإنّ الحكمة توجب أن تكون الأدوات متناسبة مع العمل المطلوب منها، و الخلقة متناسبة مع الهدف منها، فلو كانت الحياة التي خلق من أجلها حياته الدنيوية فقط، لكانت قوّة الشهوة التي تجلب الملائمات و قوّة الغضب التي تدفع المنافرات كافيتين له، و لم يكن موجب لأن يعطى عقلا متطلّعا إلى علم غير محدود، مشتاقا إلى التخلية عن الرذائل و التحلية بالفضائل، و فطرة لا تقنع بأيّ مقام يصل إليه، بل تتعطّش ما هو أعلى منه، فإعطاء الإنسان ذلك العقل و تلك الفطرة دليل على أنه مخلوق لحياة غير محدودة، كما
ورد في الحديث النبوي الشريف: «ما خلقتم للفناء بل خلقتم للبقاء، و إنّما تنقلون من دار إلى دار»
[٤].
[١] علل الشرائع ج ١ ص ٤ باب ٦ ح ١.
[٢] إشارة إلى الآية الكريمة: فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ سورة الحجر: ٢٩.
[٣] سورة المؤمنون: ١٤.
[٤] بحار الأنوار ج ٦ ص ٢٤٩.