منهاج الصالحين - الوحيد الخراساني، الشيخ حسين - الصفحة ٥٣٤ - شيعة الأئمّة الاثني عشر
أمّا بعد فإنّ اللّه جلّ ثناؤه، و تقدّست أسماؤه، خلق خلقه فألزمهم عبادته و كلّفهم طاعته، و قسم بينهم معايشهم، و وضعهم في الدّنيا بحيث وضعهم، و هو في ذلك غنيّ عنهم، لا تنفعه طاعة من أطاعه، و لا تضرّه معصية من عصاه منهم، لكنّه علم تعالى قصورهم عمّا تصلح عليه شئونهم، و تستقيم به دهماؤه في عاجلهم و آجلهم، فارتبطهم بإذنه في أمره و نهيه، فأمرهم تخييرا، و كلّفهم يسيرا، و أثابهم كثيرا، و أماز سبحانه بعدل حكمه و حكمته بين الموجف من أنامه إلى مرضاته و محبّته، و بين المبطئ عنها و المستظهر على نعمته منهم بمعصيته. فذلك قول اللّه عزّ و جلّ: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَ مَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ [١].
ثمّ وضع أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) يده على منكب همام بن عبادة فقال:
ألا من سأل عن شيعة أهل البيت الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم في كتابه مع نبيّه تطهيرا:
فهم العارفون باللّه، العاملون بأمر اللّه، أهل الفضائل و الفواضل، منطقهم الصواب، و ملبسهم الاقتصاد، و مشيهم التواضع، بخعوا للّه تعالى بطاعته، و خضعوا له بعبادته، فمضوا غاضّين أبصارهم عمّا حرّم اللّه عليهم، واقفين أسماعهم على العلم بدينهم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذي نزلت منهم في الرخاء رضى عن اللّه بالقضاء، فلولا الآجال التي كتب اللّه لهم لم تستقرّ أرواحهم في أجسادهم طرفة عين، شوقا إلى لقاء اللّه و الثواب، و خوفا من العقاب.
عظم الخالق في أنفسهم، و صغر ما دونه في أعينهم، فهم و الجنّة كمن رآها فهم على أرائكها متكئون، و هم و النار كمن أدخلها فهم فيها يعذّبون، قلوبهم محزونة،
[١] سورة الجاثية: ٢١.