منهاج الصالحين - الوحيد الخراساني، الشيخ حسين - الصفحة ٥٠٤ - شيعة الأئمّة الاثني عشر
و نقتصر في هذا المختصر بذكر حديثين في المساوئ و المكارم، و في كلّ جملة منهما أبواب من الحكمة العملية لمن تدبّر فيها، و لا مجال لشرحها.
الحديث الأوّل:
قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لرجل سأله أن يعظه:
لا تكن ممّن يرجو الآخرة بغير العمل، و يرجئ التوبة بطول الأمل، يقول في الدّنيا بقول الزاهدين، و يعمل فيها بعمل الراغبين، إن أعطي منها لم يشبع، و إن منع منها لم يقنع، يعجز عن شكر ما أوتي، و يبتغي الزيادة فيما بقي، ينهي و لا ينتهي، و يأمر بما لا يأتي، يحبّ الصالحين و لا يعمل عملهم، و يبغض المذنبين و هو أحدهم، يكره الموت لكثرة ذنوبه، و يقيم على ما يكره الموت من أجله [له]، إن سقم ظلّ نادما، و إن صحّ أمن لاهيا، يعجب بنفسه إذا عوفي، و يقنط إذا ابتلي، إن أصابه بلاء دعا مضطرّا، و إن ناله رخاء أعرض [اعترض] مغترّا، تغلبه نفسه على ما يظنّ [تظنّ]، و لا يغلبها على ما يستيقن، يخاف على غيره بأدنى من ذنبه، و يرجو لنفسه بأكثر من عمله، إن استغنى بطر و فتن، و إن افتقر قنط و وهن، يقصّر إذا عمل، و يبالغ إذا سأل، إن عرضت له شهوة أسلف المعصية و سوّف التوبة، و إن عرته محنة انفرج عن شرائط الملّة.
يصف العبرة و لا يعتبر، و يبالغ في الموعظة و لا يتّعظ، فهو بالقول مدلّ، و من العمل مقلّ، ينافس فيما يفنى، و يسامح فيما يبقى، يرى الغنم مغرما، و الغرم مغنما، يخشى الموت و لا يبادر الفوت، يستعظم من معصية غيره ما يستقلّ أكثر منه من نفسه، و يستكثر من طاعته ما يحقره من طاعة غيره، فهو على الناس طاعن، و لنفسه مداهن، اللهو مع الأغنياء أحبّ إليه من الذكر مع الفقراء، يحكم على غيره لنفسه، و لا يحكم عليها لغيره، يرشد غيره و يغوي نفسه، فهو يطاع و يعصي،