منهاج الصالحين - الوحيد الخراساني، الشيخ حسين - الصفحة ٣٠٢ - * أشعّة من خطبتها
الأعلى لتسليتها، فيصير مصحفها الذي ألقاه الروح الأمين و كتبه أمير المؤمنين (عليه السلام) إحدى خزائن علوم الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) المشتملة على علم ما يكون.
و بالتأمّل في هذه الصحيحة يظهر سرّ تسميتها بالمحدّثة، و لو لا السنخية مع الملأ الأعلى بلطافة روحها عن كدورات عالم المادّة، لم يتيسّر لها مجالسة روح القدس، و هذا وجه تسميتها بالحوراء الإنسيّة.
و لا عجب من وصولها إلى هذه المقامات العالية، و طيّها درجات مرقاة الكمال، إلى أن وصلت إلى مرتبة توجب حيرة الكمل، فإنّ الإنسان يمتاز عن سائر الخلق بتركّبه من الشهوة و الغضب، و العقل و الإرادة، فإن صارت الإرادة مقهورة للشهوة و الغضب يتنزل إلى مرتبة الحيوانية أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [١]، و إن صارت مقهورة للعقل صار الإنسان بالقوة إنسانا بالفعل، و بغلبة جنود العقل على جنود الجهل يتسلّط على نفسه، و يصعد بروحه من حضيض الأرض الى ملكوت السماء.
و الكمال كل الكمال أن تصير الإرادة مقهورة لأمر اللّه تعالى، و الرضا و الغضب تابعين لرضا اللّه و غضب اللّه تعالى، فإذا بلغ العبد إلى أن يرضى لرضا الرّب و يغضب لغضبه على الإطلاق، بحيث لا يتخلف رضاه و غضبه عن رضا اللّه و غضبه في حال من الأحوال، يصل إلى مرتبة العصمة المطلقة.
و قد صحّ عند العامة و الخاصة
أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال لفاطمة: إن اللّه يغضب لغضبك و يرضى لرضاك
[٢]، فإذا كانت العصمة المطلقة المستلزمة لإمامة الناس أن يرضى العبد لرضى الرب و يغضب لغضبه بقول مطلق، فكيف تصل الأفكار إلى مقام
[١] سورة الأعراف: ١٧٩.
[٢] راجع صفحة: ١٩٣.