سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٥٣
تقواه وهداه ، إنه على كل شئ قدير ) .
قال ابن أبي الحديد في شرحه ( ١٦ / ١٤٦ ) : « أنظر إلى الفصاحة كيف تعطي هذا الرجل قيادَها وتُملكه زمامها . واعجب لهذه الألفاظ المنصوبة ، يتلو بعضها بعضاً كيف تواتيه وتطاوعه ، سلسةً سهلةً ، تتدفق من غير تعسف ولا تكلف ، حتى انتهى إلى آخر الفصل فقال : يوماً واحداً ، ولا التقي بهم أبداً . وأنت وغيرك من الفصحاء إذا شرعوا في كتاب أو خطبة ، جاءت القرائن والفواصل تارة مرفوعة ، وتارة مجرورة ، وتارة منصوبة ، فإن أرادوا قسرها بإعراب واحد ظهر منها في التكلف أثرٌ بين ، وعلامةٌ واضحة . وهذا الصنف من البيان أحد أنواع الإعجاز في القرآن ، ذكره عبد القاهر ، قال : أنظر إلى سورة النساء وبعدها سورة المائدة : الأولى منصوبة الفواصل ، والثانية ليس فيها منصوب أصلاً ، ولو مزجت إحدى السورتين بالأخرى لم تمتزجا ، وظهر أثر التركيب والتأليف بينهما . ثم إن فواصل كل واحد منهما تنساق سياقةً بمقتضى البيان الطبيعي ، لا الصناعة التكلفية .
ثم انظر إلى الصفات والموصوفات في هذا الفصل ، كيف قال : ولداً ناصحاً وعاملاً كادحاً ، وسيفاً قاطعاً ، وركناً دافعاً . ولو قال ولداً كادحاً ، وعاملاً ناصحاً ، وكذلك ما بعده لما كان صواباً ، ولا في الموقع واقعاً . فسبحان من منح هذا الرجل هذه المزايا النفيسة والخصائص الشريفة ! أن يكون غلام من أبناء عرب مكة ، ينشأ بين أهله لم يخالط الحكماء ، وخرج أعرف بالحكمة ودقائق العلوم الإلهية من أفلاطون وأرسطو ! ولم يعاشر أرباب الحكم الخلقية والآداب النفسانية ، لأن قريشاً لم يكن أحد منهم مشهوراً بمثل ذلك وخرج أعرف بهذا الباب من سقراط ! ولم يربَّ بين الشجعان ، لأن أهل مكة كانوا ذوي تجارة ، ولم يكونوا ذوي حرب ، وخرج أشجع من كل بشر مشى على الأرض ! قيل لخلف الأحمر :
أيما أشجع عنبسة وبسطام أم علي ؟ فقال : إنما يذكر عنبسة وبسطام مع البشر والناس لا مع من يرتفع عن هذه الطبقة ! فقيل له : فعلى كل حال ؟ قال : والله لوصاح في وجوههما لماتا قبل أن يحمل عليهما !