سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ١٧٣
الخريت إلى علي في ثلاثين راكباً من أصحابه يمشي بينهم حتى قام بين يدي علي فقال له : والله لا أطيع أمرك ولا أصلي خلفك ، وإني غداً لمفارق لك ! قال : وذاك بعد وقعة صفين وبعد تحكيم الحكمين ، فقال له علي ( ٧ ) : ثكلتك أمك ، إذاً تنقض عهدك وتعصي ربك ، ولا تضر إلا نفسك ، أخبرني لم تفعل ذلك ؟ قال : لأنك حكمت في الكتاب وضعفت عن الحق إذ جد الجد ، وركنت إلى القوم الذين ظلموا أنفسهم ، فأنا عليك راد وعليهم ناقم ، ولكم جميعاً مباين ! فقال له علي ( ٧ ) : ويحك هلم إلي أدارسك الكتاب وأناظرك في السنن ، وأفاتحك أموراً من الحق أنا أعلم بها منك ، فلعلك تعرف ما أنت له الآن منكر ، وتستبصر ما أنت به الآن عنه عمٍ وبه جاهل ! فقال الخريت : فإني عائد عليك غداً ، فقال له علي ( ٧ ) : أغد ولا يستهوينك الشيطان ولا تقحمن بك رأي السوء ، ولايستخفنك الجهلاء الذين لا يعلمون ، فوالله لئن استرشدتني واستنصحتني وقبلت مني ، لأهدينَّك سبيل الرشاد ، فخرج الخريت من عنده منصرفاً إلى أهله .
قال عبد الله بن قعين : فعجلت في أثره مسرعاً وكان لي من بني عمه صديق فأردت أن ألقى ابن عمه في ذلك فأعلمه بما كان من قوله لأمير المؤمنين وما رد عليه ، وآمر ابن عمه ذلك أن يشتد بلسانه عليه ، وأن يأمره بطاعة أمير المؤمنين ( ٧ ) ومناصحته ، ويخبره أن ذلك خير له في عاجل الدنيا وآجل الآخرة . قال : فخرجت حتى انتهيت إلى منزله وقد سبقني فقمت عند باب داره ، وفي داره رجال من أصحابه لم يكونوا شهدوا معه دخوله على علي ( ٧ ) ، فوالله ما رجع ولا ندم على ما قال لأمير المؤمنين ( ٧ ) وما رد عليه ، ثم قال لهم : يا هؤلاء إني قد رأيت أن أفارق هذا الرجل وقد فارقته على أن أرجع إليه من غد ، ولا أراني إلا مفارقه !
فقال أكثر أصحابه : لا تفعل حتى تأتيه ، فإن أتاك بأمر تعرفه قبلت منه ، وإن كانت الأخرى فما أقدرك على فراقه ، فقال لهم : نعم ما رأيتم .
قال : ثم استأذنت عليهم فأذنوا لي فأقبلت على ابن عمه وهو مدرك بن الريان