سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٣٨٥
تأته أتاك فلا تحمل هم سنتك على هم يومك ، وكفاك كل يوم ما هو فيه فإن تكن السنة من عمرك فإن الله عز وجل سيأتيك في كل غد بجديد ما قسم لك وإن لم تكن السنة من عمرك فما تصنع بغم وهم ما ليس لك ، واعلم أنه لن يسبقك إلى رزقك طالب ، ولن يغلبك عليه غالب ، ولن يحتجب عنك ما قدر لك ، فكم رأيت من طالب متعب نفسه مقتر عليه رزقه ، ومقتصد في الطلب قد ساعدته المقادير وكل مقرون به الفناء ، اليوم لك وأنت من بلوغ غد على غير يقين ، ولرب مستقبل يوما ليس بمستدبره ومغبوط في أول ليلة قام في آخرها بواكيه ، فلا يغرنك من الله طول حلول النعم وإبطاء موارد النقم ، فإنه لو خشي الفوت عاجل بالعقوبة قبل الموت .
يا بني : إقبل من الحكماء مواعظهم وتدبر أحكامهم ، وكن آخذ الناس بما تأمر به وأكف الناس عما تنهى عنه ، وأمر بالمعروف تكن من أهله ، فإن استتمام الأمور عند الله تبارك وتعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتفقه في الدين فإن الفقهاء ورثة الأنبياء ، إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ولكنهم ورثوا العلم ، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر .
واعلم أن طالب العلم يستغفر له من في السماوات والأرض حتى الطير في جو السماء والحوت في البحر ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى به ، وفيه شرف الدنيا والفوز بالجنة يوم القيامة ، لأن الفقهاء هم الدعاة إلى الجنان والأدلاء على الله تبارك وتعالى وأحسن إلى جميع الناس كما تحب أن يحسن إليك ، وارض لهم ما ترضاه لنفسك ، واستقبح من نفسك ما تستقبحه من غيرك ، وحسن مع جميع الناس خلقك حتى إذا غبت عنهم حنوا إليك ، وإذا مت بكوا عليك ، وقالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ، ولا تكن من الذين يقال عند موته : الحمد لله رب العالمين .
واعلم أن رأس العقل بعد الإيمان بالله عز وجل مداراة الناس ، ولا خير فيمن لا يعاشر بالمعروف من لابد من معاشرته حتى يجعل الله إلى الخلاص منه سبيلا ،