سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٢١٥
والخطباء بعده كابن نباتة والصابئ وغيرهما ، أنظر نسبة شعر أبي تمام والبحتري وأبي نؤاس ومسلم ، إلى شعر امرئ القيس والنابغة وزهير والأعشى ، هل إذا تأملت أشعار هؤلاء وأشعار هؤلاء ، تجد نفسك حاكمة بتساوي القبيلين أو بتفضيل أبي نؤاس وأصحابه عليهم ؟
ما أظن أن ذلك مما تقوله أنت ، ولا يقوله إلا من لا يعرف علم البيان ، وماهية الفصاحة ، وكنه البلاغة ، وفضيلة المطبوع على المصنوع .
فإذا أقررت من نفسك بالفرق والفضل ، وعرفت فضل الفاضل ، ونقص الناقص ، فاعلم أن نسبة كلام أمير المؤمنين ( ٧ ) إلى هؤلاء هذه النسبة ، بل أظهر ، لأنك تجد في شعر امرئ القيس وأصحابه من التعجرف والكلام الوحشي ، واللفظ الغريب المستكره شيئاً كثيراً ، ولا تجد من ذلك في كلام أمير المؤمنين ( ٧ ) شيئاً ، وأكثر فساد الكلام ونزوله إنما هو باستعمال ذلك .
فإن شئت أن تزداد استبصاراً ، فانظر القرآن العزيز واعلم أن الناس قد اتفقوا على أنه في أعلى طبقات الفصاحة ، وتأمله تأملاً شافياً ، وانظر إلى ما خص به من مزية الفصاحة والبعد عن التقعير والتقعيب والكلام الوحشي الغريب ، وانظر كلام أمير المؤمنين ( ٧ ) فإنك تجده مشتقاً من ألفاظه ، ومقتضباً من معانيه ومذاهبه ، ومحذواً به حذوه ، ومسلوكاً به في منهاجه ، فهو وإن لم يكن نظيراً ولا نداً يصلح أن يقال إنه ليس بعده كلام أفصح منه ولا أجزل ، ولا أعلى ولا أفخم ولا أنبل ، إلا أن يكون كلام ابن عمه ( ( ٨ ) )
وهذا أمر لا يعلمه إلا من ثبتت له قدم راسخة في علم هذه الصناعة ، وليس كل الناس يصلح لانتقاد الجوهر ، بل ولا لانتقاد الذهب ، ولكل صناعة أهل ، ولكل عمل رجال ) !
٥ . وروى ابن أبي الحديد ( ٢ / ٨٩ ) وغيره خطبة أخرى بعد هذه الخطبة ، قال : ( ثم أمر الحارث الأعور الهمداني فنادى في الناس : أين من يشتري نفسه لربه ويبيع دنياه بآخرته ؟ أصبحوا غداً بالرحبة إن شاء الله ، ولا يحضر إلا صادق النية في السير