سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٣٩٢
هماً واحداً ، فانظر فيما فسرت لك . وإن أنت لم يجتمع لك ما تحب من نفسك ، وفراغ نظرك وفكرك ، فاعلم أنك إنما تخبط العشواء ، وتتورط الظلماء . وليس طالب الدين من خبط أو خلط ، والإمساك عن ذلك أمثل .
أهمية فهم فاعليات الله في الوجود
فتفهم يا بني وصيتي ، وأعلم أن مالك الموت هو مالك الحياة ، وأن الخالق هو المميت ، وأن المفني هو المعيد ، وأن المبتلي هو المعافي ، وأن الدنيا لم تكن لتستقر إلا على ما جعلها الله عليه من النعماء والابتلاء والجزاء في المعاد ، أو ما شاء مما لا نعلم ، فإن أشكل عليك شئ من ذلك فاحمله على جهالتك به ، فإنك أول ما خلقت خلقت جاهلاً ثم علمت .
وما أكثر ما تجهل من الأمر ويتحير فيه رأيك ويضل فيه بصرك ، ثم تبصره بعد ذلك . فاعتصم بالذي خلقك ورزقك وسواك ، وليكن له تعبدك وإليه رغبتك ومنه شفقتك . واعلم يا بني أن أحداً لم ينبئ عن الله كما أنبأ عنه الرسول ( ( ٨ ) ) ، فارض به رائداً ، وإلى النجاة قائداً ، فإني لم آلك نصيحة . وإنك لم تبلغ في النظر لنفسك وإن اجتهدت ، مبلغ نظري لك .
وحدانية الله تعالى
واعلم يا بني ، أنه لو كان لربك شريك لأتتك رسله ، ولرأيت آثار ملكه وسلطانه ، ولعرفت أفعاله وصفاته . ولكنه إله واحد كما وصف نفسه . لا يضاده في ملكه أحد ، ولا يزول أبداً ولم يزل ، أول قبل الأشياء بلا أولية ، وآخر بعد الأشياء بلا نهاية . عظم عن أن تثبت ربوبيته بإحاطة قلب أو بصر . فإذا عرفت ذلك فافعل كما ينبغي لمثلك أن يفعله في صغر خطره ، وقلة مقدرته ، وكثرة عجزه ، وعظيم حاجته إلى ربه في طلب طاعته ، والرهبة من عقوبته ، والشفقة من سخطه . فإنه لم يأمرك إلا بحسن ، ولم ينهك إلا عن قبيح .