سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٣٩
عباد الله : إن الموت ليس منه فوت ، فاحذروا قبل وقوعه ، وأعدوا له عدته فإنكم طرداء الموت : إن أقمتم له أخذكم ، وإن فررتم منه أدرككم ، وهو ألزم لكم من ظلِّكم ، الموت معقود بنواصيكم ، والدنيا تُطوى خلفكم ، فأكثروا ذكرالموت عندما تنازعكم إليه أنفسكم من الشهوات ، وكفى بالموت واعظاً . وكان رسول الله ( ( ٨ ) ) كثيراً ما يوصي أصحابه بذكرالموت فيقول : أكثروا ذكر الموت فإنه هادم اللذّات ، حائل بينكم وبين الشهوات .
يا عباد الله : ما بعد الموت لمن لا يغفر له أشد من الموت : القبر . فاحذروا ضيقه وضنكه وظلمته وغربته ، إن القبر يقول كل يوم : أنا بيت الغربة ، أنا بيت التراب ، أنا بيت الوحشة ، أنا بيت الدُّود والهوام . والقبر روضة من رياض الجنة ، أو حفرة من حفر النار ، إن العبدالمؤمن إذا دفن قالت له الأرض مرحباً وأهلاً ، قد كنت من أحبُّ أن تمشي على ظهري ، فإذْ وليتُك فستعلم كيف صنيعي بك ، فيتسع له مدَّ البصر .
وإن الكافر إذا دفن قالت له الأرض : لامرحباً بك ولا أهلاً ، لقد كنت من أبغض من يمشي على ظهري ، فإذا وليتُك فستعلم كيف صنيعي بك ، فتضمُّه حتى تلتقي أضلاعه !
وإن المعيشة الضنك الَّتي حذَّر الله منها عدوه عذاب القبر أنه يسلِّط على الكافر في قبره تسعةً وتسعين تنيناً فينهشن لحمه ويكسرن عظمه ، ويترددن عليه كذلك إلى يوم البعث ، لو أن تنيناً منها نفخ في الأرض لم تنبت زرعاً !
يا عباد الله : إن أنفسكم الضعيفة ، وأجسادكم الناعمة الرقيقة التي يكفيها اليسير ، تضعف عن هذا ، فإن استطعتم أن تجزعوا لأجسادكم وأنفسكم مما لا طاقة لكم ولا صبر لكم عليه ، فاعملوا بما أحبَّ الله واتركوا ما كره الله .
يا عباد الله : إن بعد البعث ما هو أشدُّ من القبر ، يومٌ يشيب فيه الصغير ، ويسكر فيه الكبير ، ويسقط فيه الجنين ، وتذهل كل مرضعة عما أرضعت ، يوم عبوس قمطرير ، يوم كان شره مستطيراً .