سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ١٤
الخروج عليَّ ؟ ألم أقصد في حكمكم ، ألم أعدل في قسمكم ، ألم أقسم فيكم فيأكم ؟ ألم أرحم صغيركم ، ألم أوقر كبيركم ، ألم تعلموا أني لم أتخذكم خولاً ، ولم أجعل مالكم نفلاً ؟ وانظرماذا يردون عليك ! وإن شتموك فاحتمل ، وإياك أن ترد على أحد منهم شيئاً . قال : فأقبل غلام علي حتى أشرف على القوم بالنهروان ، فقال لهم ما أمره به ، فقالت له الخوارج : إرجع إلى صاحبك ، فلسنا نجيبه إلى شئ يريده أبداً ، وإنا نخاف أن يردنا بكلامه الحسن كما رد إخواننا بحروراء عبد الله بن الكواء وأصحابه ، والله تعالى يقول : بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ، ومولاك عليٌّ منهم فارجع إليه ، وخبره بأن اجتماعنا ههنا لجهاده ومحاربته لا لغير ذلك .
قال : فرجع الغلام إلى علي وأخبره بما سمع من القوم ، قال : فعند ذلك كتب إليهم علي كرم الله وجهه : بسم الله الرحمن الرحيم : من عبد الله وابن عبده أمير المؤمنين وأجير المسلمين أخي رسول الله ( ( ٨ ) ) وابن عمه ، إلى عبد الله بن وهب وحرقوص بن زهير ، المارقين من دين الإسلام ! أما بعد ، فقد بلغني خروجكما واجتماعكما هنالك بغيرحق كان لكما ، ولأبويكما من قبلكما ، وجمعكما لهذه الجموع الذين لم يتفقهوا في الدين ، ولم يعطوا في الله اليقين ! إلزما الحق فإن الحق يلزمكما منزلة الحق ، ثم لا يقضى إلا بالحق ، ولا تزيغا فيزيغ من معكما من أتباعكما ، فيكون مثلكما ومثلهم كمثل غنم نفشت في أرض ذات عشب ، فرعت وسمنت ، وإنما حتفها في سمنها ، وقد علمنا بأن الدنيا كعروتين سفلاً وعلواً ، فمن تعلق بالعلو نجا ، ومن استمسك بالسفل هلك ، والسعيد من سعدت به رعيته ، والشقي من شقيت به رعيته ، وخيرالناس خيرهم لنفسه وشرهم شرهم لنفسه ، وليس بين الله وبين أحد قرابة ، وكل نفس بما كسبت رهينة . والكلام كثير وإنما نريد منه اليسير ، فمن لم ينتفع باليسير ضره الكثير ، وقد جعلتموني في حالة من ضل وغوى ، وعن طريق الحق هوى ، خرجتم علي مخالفين بعد أن بايعتموني طائعين غير مكرهين ، فنقضتم عهودكم ونكثتم أيمانكم ، ثم لم يكفكم ما أنتم فيه من العمى وشق العصا ، حتى وثبتم على عبد الله بن خباب فقتلتموه ، وقتلتم أهله وولده بغير ترة كانت منه إليكم ولا ذحل ، وهو ابن صاحب رسول الله ( ( ٨ ) ) ،