سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٢٠٧
وعن جندب بن عفيف قال : والله إني لفي جند الأنبار مع أشرس بن حسان البكري ، إذ صبحنا سفيان بن عوف كتائب تلمع الأبصار منها فهالونا والله ، وعلمنا إذ رأيناهم أنه ليس لنا بهم طاقة ولا يد ، فخرج إليهم صاحبنا وقد تفرقنا فلم يلقهم نصفنا ، وأيم الله لقد قاتلناهم فأحسنا قتالهم والله حتى كرهونا ، ثم نزل صاحبنا وهو يتلو قوله تعالى : فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ثم قال لنا : من كان لا يريد لقاء الله ولا يطيب نفساً بالموت فليخرج عن القرية ما دمنا نقاتلهم ، فإن قتالنا إياهم شاغل لهم عن طلب هارب ، ومن أراد ما عند الله فما عند الله خير للأبرار ، ثم نزل في ثلاثين رجلاً قال : فهممت والله بالنزول معه ثم إن نفسي أبت ، واستقدم هو وأصحابه فقاتلوا حتى قتلوا رحمهم الله ، فلما قتلوا أقبلنا منهزمين .
عن محمد بن مخنف أن سفيان بن عوف لما أغار على الأنبار قدم علج من أهلها على علي ( ٧ ) فأخبره الخبر ، فصعد المنبرفقال : أيها الناس إن أخاكم البكري قد أصيب بالأنبار وهو معتز لا يخاف ما كان ، فاختار ما عند الله على الدنيا ، فانتدبوا إليهم حتى تلاقوهم ، فإن أصبتم منهم طرفاً أنكلتموهم عن العراق أبداً ما بقوا ، ثم سكت عنهم رجاء أن يجيبوه أو يتكلموا ، أو يتكلم متكلم منهم بخير ، فلم ينبس أحد منهم بكلمة !
فلما رأى صمتهم على ما في أنفسهم نزل فخرج يمشي راجلاً حتى أتى النخيلة ، والناس يمشون خلفه حتى أحاط به قوم من أشرافهم فقالوا : إرجع يا أمير المؤمنين نحن نكفيك ، فقال : ما تكفونني ولا تكفون أنفسكم فلم يزالوا به حتى صرفوه إلى منزله ، فرجع وهو واجم كئيب !
ودعا سعيد بن قيس الهمداني فبعثه من النخيلة بثمانية آلاف وذلك أنه أخبر أن القوم جاؤوا في جمع كثيف فقال له : إني قد بعثتك في ثمانية آلاف فاتبع هذا الجيش حتى تخرجه من أرض العراق ، فخرج على شاطئ الفرات في طلبه حتى إذا بلغ عانات سرح أمامه هانئ بن الخطاب الهمداني فاتبع آثارهم ، حتى إذا بلغ