سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٤١٤
عجزنا عنه فإن الله لا يعجز عن مكافأتك ، وأراد أن يحسن إليه فقال له إن أردت أن تحسن إلي فادفع إلي بعض ثيابك التي تلي جسدك أتبرك بها ، فنزع ثيابه ودفعها إليه ثم قال : اللهم إن الكميت جاد في آل رسول الله وذرية نبيك ( ( ٨ ) ) بنفسه حين ضن الناس ، وأظهر ما كتمه غيره من الحق ، فأحيه وأمته شهيداً ، وأره الجزاء عاجلاً ، فإنا قد عجزنا عن مكافأته ! قال الكميت : ما زلت أعرف بركة دعائه ( ٧ ) ) .
أقول : هذا دعاء عظيم من الإمام زين العابدين صلوات الله عليه ، يجعل الكميت من كبار أولياء الله تعالى والصديقين ، وقد استجاب الله قول الإمام فيه : فأحيه وأمته شهيداً ، فعاش حياة الشهداء ، وختم له بالشهادة .
ثم زار الإمام الباقر ( ٧ ) ( مروج الذهب : ٣ / ٢٢٨ ) ليلاً فأنشده فلما بلغ قوله :
وقتيلٍ بالطَّفِّ غُودِر منهم * بين غوغاء أُمة وطغَام
بكى أبو جعفر ثم قال : ياكميت ، لو كان عندنا مال لأعطيناك ، ولكن لك ما قال رسول الله ( ( ٨ ) ) لحسان بن ثابت : لا زلت مؤيداً بروح القدس ما ذَبَبْتَ عنا أهلَ البيت . ونهض عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، فأخذ ثوباً جلداً فدفعه إلى أربعة من غلمانه ، ثم جعل يدخل دور بني هاشم ، ويقول : يا بني هاشم ، هذا الكميت قال فيكم الشعر حين صَمَتَ الناس عن فضلكم ، وعرَّض دمَه لبني أمية ، فأثيبوه بما قدرتم ، فيطرح الرجل في الثوب ما قدر عليه من دنانير ودراهم ، وأعلم النساء بذلك ، فكانت المرأة تبعث ما أمكنها ، حتى إنها لتخلع الحلي عن جسدها ، فاجتمع من الدنانير والدراهم ما قيمته مائة ألف درهم ، فجاء بها إلى الكميت ، فقال : يا أباالمستهل أتيناك بجهد المُقِلِّ ، ونحن في دولة عدونا ، وقد جمعنا لك هذا المال وفيه حلي النساء كما ترى ، فاستعن به على دهرك ، فقال : بأبي أنت وأمي ، قد أكثرتم وأطبتم ، وما أردت بمدحي إياكم إلا الله ورسوله ( ( ٨ ) ) ، ولم أك لآخذ لذلك ثمناً من الدنيا ، فأردده إلى أهله ، فجهد به عبد الله أن يقبله بكل حيلة ، فأبى ) .
واشتهرت هاشمياته ، وساعد والي العراق على شهرتها ، فقد أراد أن يحرض عليه الخليفة ( خزانة الأدب : ١ / ٨٧ ) ( فقال : والله لأقتلنه ! ثم اشترى ثلاثين جارية في نهاية الحسن ،