سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٢٩٢
ووقاني المكسب . وعال لي النفس والولد والأهل ، هذا في تصاريف أمر الدنيا ، مع ما خصني به من الدرجات التي قادتني إلى معالي الحق عند الله عز وجل ، فنزل بي من وفاة رسول الله ( ( ٨ ) ) ما لم أكن أظن الجبال لو حملته عنوة كانت تنهض به ، فرأيت الناس من أهل بيتي ما بين جازع لا يملك جزعه ، ولا يضبط نفسه ، ولا يقوى على حمل فادح ما نزل به ، قد أذهب الجزع صبره وأذهل عقله ، وحال بينه وبين الفهم والإفهام والقول والإسماع ! وسائر الناس من غير بني عبد المطلب ، بين معز يأمر بالصبر ، وبين مساعد باك لبكائهم جازع لجزعهم .
وحملت نفسي على الصبر عند وفاته ، بلزوم الصمت والإنشغال بما أمرني به من تجهيزه وتغسيله وتحنيطه وتكفينه ، والصلاة عليه ، ووضعه في حفرته ، وجمع كتاب الله وعهده إلى خلقه ، لا يشغلني عن ذلك بادر دمعة ، ولا هائج زفرة ، ولا لاذع حرقة ، ولا جزيل مصيبة ، حتى أديت في ذلك الحق الواجب لله عز وجل ولرسوله ( ( ٨ ) ) عليَّ ، وبلغت منه الذي أمرني به ، واحتملته صابراً محتسباً . ثم التفت ( ٧ ) إلى أصحابه فقال : أليس كذلك ؟ قالوا : بلى يا أمير المؤمنين .
الثاني : أخذ الخلافة وعزل بني هاشم
فقال ( ٧ ) : وأما الثانية يا أخا اليهود ، فإن رسول الله ( ( ٨ ) ) أمَّرني في حياته على جميع أمته ، وأخذ على جميع من حضره منهم البيعة والسمع والطاعة لأمري ، وأمرهم أن يبلغ الشاهد الغائب ذلك ، فكنت المؤدي إليهم عن رسول الله ( ( ٨ ) ) أمره إذا حضرته والأميرعلى من حضرني منهم إذا فارقته ، لا تختلج في نفسي منازعة أحد من الخلق لي في شئ من الأمر في حياة النبي ( ( ٨ ) ) ولا بعد وفاته . ثم أمر رسول الله ( ( ٨ ) ) بتوجيه الجيش الذي وجهه مع أسامة بن زيد عند الذي أحدث الله به من المرض الذي توفاه فيه ، فلم يدع أحداً من أفناء العرب ولا من الأوس والخزرج وغيرهم من سائر الناس ممن يخاف عليَّ نقضه ومنازعته ، ولا أحداً ممن يراني بعين البغضاء ممن قد وترته بقتل أبيه أو أخيه أو حميمه ، إلا وجهه في ذلك الجيش ، ولا من المهاجرين والأنصار والمسلمين والمؤلفة قلوبهم والمنافقين ، لتصفوَ قلوب من يبقى معي بحضرته ، ولئلا يقول قائل