سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ١٩٤
وأعمل الحيلة ، وأمر معاوية بطعام كثير فصنع ثم دعا بخاصته ومواليه وأهله فقال : إني سأغدو إلى عمرو فإذا دعوت بالطعام فدعوا مواليه وأهله فليجلسوا قبلكم ، فإذا شبع رجل منهم وقام فليجلس رجل منكم مكانه ، فإذا خرجوا ولم يبق في البيت أحد منهم فأغلقوا باب البيت ، واحذروا أن يدخل أحد منهم إلا أن آمركم ! وغدا إليه معاوية وعمرو جالس على فراشه ، فلم يقم له عنهاولا دعاه إليها ، فجاء مُعاوية وجلس على الأرض واتكأ على ناحية الفراش وذلك أن عمراً كان يحدث نفسه أنه قد ملك الأمر وإليه العقد ، يضعها فيمن يرى ويندب للخلافة من يشاء ، فجرى بينهما كلام كثير ، وكان مما قال له عمرو : هذا الكتاب الذي بيني وبينه عليه خاتمي وخاتمه ، وقد أقر بأن عثمان قتل مظلوماً ، وأخرج علياً من هذا الأمر وعَرَض عليَّ رجالاً لم أرهم أهلًا لها ، وهذا الأمر إليَّ أن أستخلف من شئته وقد أعطاني أهل الشام عهودهم ومواثيقهم !
فحادثه معاوية ساعة وأخرجه عما كانوا عليه ، وضاحكه وداعبه ثم قال : يا أبا عبد الله هل من غداء ؟ قال : أما والله شئ يشبع من ترى فلا ، فقال معاوية : هلم يا غلامي غداءك ؟ فجئ بالطعام المستعد فوضع فقال : يا أبا عبد الله أدع مواليك وأهلك ، فدعاهم ثم قال له عمرو : وادع أنت أصحابك ، قال : نعم يأكل أصحابك أولاً ، ثم يجلس هؤلاء بعدُ ، فجعلوا كلما قام رجل من حاشية عمرو قعد موضعه رجل من حاشية معاوية ، حتى خرج أصحاب عمرو وبقي أصحاب معاوية ، فقام الذي وكله بغلق الباب فأغلق الباب ، فقال له عمرو : فعلتها ! فقال : إي والله بيني وبينك أمران فاخترأيهما شئت : البيعة لي ، أو أقتلك ، ليس والله غيرهما !
قال عمرو : فأذَنْ لغلامي وردان حتى أشاوره وأنظر رأيه ، قال : لا تراه والله ولا يراك إلا قتيلاً ، أو على ما قلت لك ! قال : فالوفاء إذن بطعمة مصر ، قال : هي لك ما عشت ! فاستوثق كل واحد منهما من صاحبه وأحضر معاوية الخواصَّ من أهل الشام ، ومنع أن يدخل معهم أحد من حاشية عمرو ، فقال لهم عمرو : قد رأيت أن أبايع معاوية فلم أر أحداً أقوى على هذا الأمر منه ، فبايعه أهل الشام وانصرف معاوية إلى منزله خليفة ) ! !