سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٢٣٦
وأنا والله قد دعوتكم عوداً وبدءً وسراً وجهاراً وفي الليل والنهار والغدو والآصال ، فما يزيدكم دعائي إلا فراراً وإدباراً ، أما تنفعكم العظة والدعاء إلى الهدى والحكمة ، وإني لعالم بما يصلحكم ويقيم أودكم ، ولكني والله لا أصلحكم بإفساد نفسي ، ولكن أمهلوني قليلاً فكأنكم والله بامرئ قد جاءكم يحرمكم ويعذبكم فيعذبه الله كما يعذبكم ، إن من ذل المسلمين وهلاك الدين أن ابن أبي سفيان يدعو الأراذل والأشرار فيجاب ، وأدعوكم وأنتم الأفضلون الأخيار ، فتراوغون وتدافعون ، ما هذا بفعل المتقين ! إن بسر بن أبي أرطاة وجه إلى الحجاز وما بسر ، لعنه الله ! لينتدب إليه منكم عصابة حتى تردوه عن شنته ، فإنما خرج في ست مائة أو يزيدون .
قال : فسكت الناس ملياً لا ينطقون ، فقال : ما لكم أمخرسون أنتم لا تتكلمون ؟ فقام أبو بردة بن عوف الأزدي فقال : إن سرت يا أمير المؤمنين سرنا معك فقال : اللهم ما لكم ! لاسددتم لمقال الرشد ، أفي مثل هذا ينبغي لي أن أخرج ! إنما يخرج في مثل هذا رجل ممن ترضون من فرسانكم وشجعانكم ، ولا ينبغي لي أن أدع الجند والمصر وبيت المال وجباية الأرض والقضاء بين المسلمين ، والنظر في حقوق الناس ، ثم أخرج في كتيبة أتبع أخرى في الفلوات وشعف الجبال ! هذا والله الرأي السوء ! والله لولا رجائي عند لقائهم لوقد حُمَّ لي لقاؤهم لقربت ركابي ثم لشخصت عنكم فلا أطلبكم ما اختلف جنوب وشمال ! فوالله إن فراقكم لراحة للنفس والبدن .
فقام جارية بن قدامة فقال : أنا أكفيكهم يا أمير المؤمنين فقال : أنت لعمري لميمون النقيبة حسن النية صالح العشيرة ، وندب معه ألفين وقال بعضهم : ألفاً ، وأمره أن يأتي البصرة فيضم إليه مثلهم ، فشخص جارية وخرج معه يشيعه فلما ودعه قال : إتق الله الذي إليه تصير ، ولاتحتقرمسلماً ، ولا معاهداً ، ولا تغصبن مالاً ، ولا ولداً ، ولا دابةً ، وإن حفيتَ وترجلتَ ، وصل الصلاة لوقتها . فأمره أن يسير إلى البصرة فخرج منها في ألفين وندب معه الخثعمي من الكوفة ألفين فقال لهما : أخرجا في طلب بسر بن أبي أرطاة حتى تلحقاه فأينما لحقتماه فناجزاه ، فإذا التقيتما فجارية بن قدامة على الناس . فخرجا في طلب بسر فخرج وهب بن مسعود من الكوفة .