سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ١١
وإصلاح ذات البين ، وينهاكم عن التظالم والتغاشم والتقاذف والتباهت ، ويأمركم بالمعروف وينهاكم عن المنكر . وكلُّ خير يدني من الجنة ويبعد من النار فقد أمركم به ، وكلُّ شر يدني من النار فقد نهاكم عنه ، فلما استكمل ( ( ٨ ) ) مدته توفاه الله إليه مشكوراً سعيه ، مرضياً عمله ، مغفوراً له ذنبه ، كريماً عند الله نزله . فيا لها من مصيبة خصت وعمت المؤمنين ، لم يصابوا بمثلها قبلها ولايعاينون بعدها مثلها .
وبعد ، فقد علمتم ما كان من هؤلاء القوم من الإقدام والجرأة على سفك الدماء ، وهم قوم فساق مراق ، عماة جفاة ، يريدون فراقي وشقاقي ، وفيهم من قد عضه بالأمس السلاح ، ووجد ألم الجراح . فجِدُّوا رحمكم الله ، وخذوا آلة الحرب فإني سائر إليهم إن شاء الله ، ولا قوة إلا بالله .
قال : ثم نزل عن المنبر ولم يجبه إلا اليسير من أهل الكوفة ، ودخل إلى منزله وغضب لذلك ! ثم خرج إلى الناس وخطبهم ثانياً ، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيتها الفئة المجتمعة أبدانهم ، المتفرقة أديانهم ! إنه والله ماعزت دعوة من دعاكم ، ولا استراح من قاساكم ، كلامكم يوهن الصم الصلاب ، وفعلكم يطمع فيه عدوكم ! إذا أدعوكم إلى أمر فيه صلاحكم ، والذب عن حريمكم ، اعتراكم الفشل وجبنتم بالعلل ، ثم قلتم كيْت وكيت وذيْتَ وذيت ، أعاليل وأضاليل وأقوال أباطيل ، ثم سألتموني التأخير دفاع ذي الدَّيْن المَطُول !
هيهات إنه لا ينفع الصم الدليل ، ولا يدرك الحق إلا بالجد ، فخبروني يا أهل العراق مع أي إمام بعدي تقاتلون ، أم أية دار تمنعون ؟ الذليل والله من نصرتموه ، والمغرور من غررتموه ، لقد أصبحت لا أطمع في نصركم ، ولا أصدق قولكم ، فرق الله بيني وبينكم ، وأبدلكم بي غيري ، وأبدلني بكم من هو خير لي منكم ! أما إنكم ستلقون بعدي ذلاً شاملاً ، وسيفاً قاطعاً ، وأثرةً قبيحة ، يتخذها الظالمون عليكم سنة ، فتبكي عيونكم ، ويدخل الفقر بيوتكم ، وتتمنون في بعض حالاتكم أنكم رأيتموني فنصرتموني ، وأرقتم دماءكم دوني ، فلا يبعد الله إلا من قد ظلم !