سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٣١٨
يوبخ قطاماً ، فقرع بابها فقالت : من هذا ؟ فقال : كثيّر بن عبد الرحمن الشاعر ، فقالت لبنات عم لها : تنحين حتى يدخل الرجل فولجن البيت وأذنت له ، فدخل وتنحت من بين يديه ، فرآها وقد ولَّت فقال لها : أنت قطام ؟ قالت : نعم . قال : صاحبة علي بن أبي طالب ؟ قالت : صاحبة عبد الرحمن بن ملجم . قال : أليس فيك قُتل علي بن أبي طالب ؟ قالت : بل مات بأجله . قال : أما والله لقد كنتُ أحبّ أن أراك ، فلما رأيتك نبت عيني عنك فما احلوليت في خلدي ! قالت : والله إنك لقصير القامة ، عظيم الهامة ، قبيح المنظر ، وإنك لكما قال الأول : تسمع بالمعيدي خيرٌ من أن تراه ! فقال :
رأت رجلاً أودى السّفار بوجهه * فلم يبق إلا منظرٌ وجناجنُ
فإن أك معروق العظام فإنني * إذا وزن الأقوام بالقوم وازنُ
وإني لما استودعتِني من أمانة * إذا ضاعت الأسرار للسردافنُ
فقالت : أنت لله أبوك كثير عزة ؟ قال : نعم . قالت : الحمد لله الذي قصَّر بك ، فصرت لا تعرف إلا بامرأة ! فقال : الأمر كذلك ، فوالله لقد سار بها شعري ، وطار بها ذكري ، وقرب من الخليفة مجلسي ، وأنا لكما قلتُ :
فإن خفيت كانت لعينك قرة * وإن تبد يوماً لم يَعُمَّكَ عارُها
فما روضة بالحزن طيبة الثرى * يمجُّ الندى جثجاثها وعِرَارُها
بأطيب من أردان عزة موهناً * وقد أوقدت بالمندل اللَّدن نارها
فقالت : بالله ما رأيت شاعرا قطُّ أنقصَ عقلاً منك ، ولا أضعف وصفاً ، أين أنت من سيدك امرئ القيس حيث يقول :
ألم ترياني كلَّما جئت طارقاً * وجدت بها طيباً وإن لم تطيّب
فخرج وهو يقول : الحق أبلج لا يخيل سبيله . . والحق يعرفه ذووا الألباب ) .
يقصد أن قطاماً أفحمته ، وقبل قولها بأن امرئ القيس أشعر منه .
* *