سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ١٢
يا أهل الكوفة ! أعظكم فلا تتعظون ، وأوقظكم من سنتكم فلا تنتبهون ، إن من فاز بكم فقد فاز بالخيبة ، ومن رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل ! أفٍّ لكم ! لقد لقينا منكم ترحاً ، يوماً أناديكم ويوماً أناجيكم ، فلا أحرار عند النداء ، ولا إخوان صدق عند المصائب ، فيا لله ماذا منيت به منكم ، لقد منيت بصُمٍّ لا يسمعون ، وكُمْهٍ لا يبصرون ، وبُكْمٍ لا يعقلون ، أما والله لولا أني حين أمرتكم بأمري حملتكم على المكروه منه ، فإن استقمتم هديتم ، وإن أبيتم عليَّ بدأتُ بكم ، وكانت الزلفى ، ولكني تراخيت لكم ، وتوانيت عنكم ، وتماديت في غفلتكم ، فكنت أنا وأنتم كما قال الأول :
أمرتكم أمري بمنقطع اللوى * فلم تستبينوا الرشد إلا ضحى الغد
اللهم إن دجلة والفرات نهران أصمان أبكمان ، اللهم فأرسل عليهما ماء بحرك ، وانزع منهم ماء نصرك . حبذا إخواني الصالحون ! إن دعوا إلى الإسلام قبلوه ، أو قرأوا القرآن أحكموه ، أو ندبوا إلى الجهاد طلبوه ، فحقق اللهم لهم الثناء الحسن ، واشوقاه إلى تلك الوجوه ! قال : ثم ذرفت عيناه ونزل عن المنبر !
وقام إليه نافع بن طريف فقال : إنا لله إلى ما صرت إليه يا أمير المؤمنين ! فقال علي : نعم : إنا لله وإنا إليه راجعون ، إلى ما صرت إليه ، صرت إلى قوم إن أمرتهم خالفوني ، وإن اتبعتهم تفرقوا عني ، جعل الله لي منهم فرجاً عاجلاً !
قال : ثم وثب فدخل إلى منزله مغموماً ، ودخل إليه جماعة من فرسان أصحابه فقالوا : يا أمير المؤمنين ! لايسوؤك الله ، ها نحن بين يديك ، فسر بنا إلى أعداء الله إذا شئت لترى منا ما تحب . قال : ثم تقدم إليه رجل من أصحابه فقال : يا أمير المؤمنين !
إن الناس قد ندموا على ما كان من تثبطهم وقعودهم عن نصرتك ، على أن الحظ في ذلك لهم ، فلو عاودتهم بالخطبة لعلهم كانوا يرتدعون ، ويرجعون إلى محبتك . قال : فلما كان من غد خرج علي ( ٧ ) حتى دخل المسجد الأعظم وهو غاص بأهله ، وأصحابه متواترون ، ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :
أيها الناس ! ألا ترون إلى أطرافكم قد انتقضت ، وإلى بلادكم تغزى ، وأنتم ذووا عدد جم ، وشوكة شديدة ؟ فما بالكم اليوم ، لله أبوكم ، من أين تؤتون ، ومن أين تسحرون ،