سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٢٩٦
والاقتداء بالماضين قبلهم ، إلى تناول ما لم يجعل الله لهم ، فإذا خلوتُ بالواحد ذكَّرته أيام الله وحذرته ما هو قادمٌ عليه وصائرٌ إليه ، التمس مني شرطاً أن أصيِّرها له بعدي !
فلما لم يجدوا عندي إلا المحجة البيضاء والحمل على كتاب الله عز وجل ووصية الرسول ( ( ٨ ) ) ، وإعطاء كل امرئ منهم ما جعله الله له ، ومنعه ما لم يجعل الله له ، أزالها عني إلى ابن عفان ، طمعاً في الشحيح معه فيها !
وابن عفان رجل لم يستو به وبواحد ممن حضره حال قط ، فضلاً عمن دونهم ،
لا ببدر التي هي سنام فخرهم ، ولا غيرها من المآثر التي أكرم الله بها رسوله ( ( ٨ ) ) ، ومن اختصه معه من أهل بيته ( ٧ ) !
ثم لم أعلم القوم أمسوا من يومهم ذلك حتى ظهرت ندامتهم ، ونكصوا على أعقابهم ، وأحال بعضهم على بعض ، كل يلوم نفسه ويلوم أصحابه !
ثم لم تطل الأيام بالمستبد بالأمر ابن عفان حتى أكفروه وتبرؤوا منه ، ومشى ( يقصدابن عوف ) إلى أصحابه خاصة وسائر أصحاب رسول الله ( ( ٨ ) ) عامة ، يستقيلهم من بيعته ويتوب إلى الله من فلتته ، فكانت هذه يا أخا اليهود أكبر من أختها وأفظع ، وأحرى أن لا يصبر عليها ! فنالني منها الذي لا يبلغ وصفه ولا يحد وقته ، ولم يكن عندي فيها إلا الصبر على ما أمَضَّ وأبلغَ منها ، ولقد أتاني الباقون من الستة من يومهم كل راجعٌ عما كان ركب مني ! يسألني خلع ابن عفان والوثوب عليه وأخذ حقي ، ويؤتيني صفقته وبيعته على الموت تحت رايتي ، أو يرد الله عز وجل عليَّ حقي . فوالله يا أخا اليهود ما منعني منها إلا الذي منعني من أختيها قبلها ، ورأيت الإبقاء على من بقي من الطائفة أبهجَ لي وآنسَ لقلبي من فنائها ، وعلمت أني إن حملتها على دعوة الموت ركبته ، فأما نفسي فقد علم من حضر ممن ترى ومن غاب من أصحاب محمد ( ( ٨ ) ) أن الموت عندي بمنزلة الشربة الباردة في اليوم الشديد الحر من ذي العطش الصدي ! ولقد كنت عاهدت الله عز وجل ورسوله ( ( ٨ ) ) أنا وعمي حمزة وأخي جعفر وابن عمي عبيدة على أمر وفينا به لله عز وجل ولرسوله ، فتقدمني أصحابي وتخلفت بعدهم لما أراد الله عز وجل ، فأنزل الله فينا : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ