سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٢٠٦
له فينا هوى ويرى فراقهم ، وتدعو إلينا كل من كان يخاف الدوائر ، وخرب كل ما مررت به من القرى ، واقتل كل من لقيت ممن ليس هو على رأيك ، واحرب الأموال ، فإنه شبيه بالقتل ، وهو أوجع للقلوب !
قال : فخرجت من عنده فعسكرت وقام معاوية في الناس خطيباًفحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد أيها الناس فانتدبوا مع سفيان بن عوف فإنه وجه عظيم فيه أجر عظيم سريعة فيه أوبتكم إن شاء الله ، ثم نزل .
قال : فوالله الذي لا إله إلا هو ما مرت بي ثلاثة حتى خرجت في ستة آلاف ، ثم لزمت شاطئ الفرات فأغذذت السير حتى أمر بهيت ، فبلغهم أني قد غشيتهم فقطعوا الفرات ، فمررت بها وما بها عريب ، كأنها لم تُحلل قط ، فوطأتها ، حتى مررت بصندوداء فتنافروا فلم ألق بها أحداً ، فمضيت حتى أفتتح الأنبار وقد أنذروا بي ، فخرج إليَّ صاحب المسلحة فوقف لي فلم أقدم عليه حتى أخذت غلماناً من أهل القرية فقلت لهم : خبروني كم بالأنبار من أصحاب علي ؟ قالوا : عدة رجال المسلحة خمس مائة ، ولكنهم قد تبددوا ورجعوا إلى الكوفة ولا ندري الذي يكون فيها ،
قد يكون مائتي رجل . قال : فنزلت فكتبت أصحابي كتائب ثم أخذت أبعثهم إليه كتيبة بعد كتيبة فيقاتلونهم ، والله ويصبرون لهم ويطاردونهم في الأزقة .
فلما رأيت ذلك أنزلت إليهم نحواً من مائتين ثم أتبعتهم الخيل فلما مشت إليهم الرجال وحملت عليهم الخيل فلم يكن إلا قليلاً حتى تفرقوا ، وقتل صاحبهم في رجال من أصحابه ، وأتيناه في نيف وثلاثين رجلاً فحملنا ما كان في الأنبار من أموال أهلها ، ثم انصرفت .
فوالله ما غزوت غزوة أسلم ، ولا أقر للعيون ولا أسر للنفوس منها ، وبلغني والله أنها أفزعت الناس ، فلما أتيت معاوية فحدثته الحديث على وجهه قال : كنت والله عند ظني بك لا تنزل في بلد من بلداني إلا قضيت فيه مثل ما يقضي فيه أميره ، وإن أحببت توليته وليتك ، وأنت أمين أينما كنت من سلطاني ، وليس لأحد من خلق الله عليك أمر دوني قال : فوالله ما لبثنا إلا يسيراً حتى رأيت رجال أهل العراق يأتوننا على الإبل هُرَّاباً .