سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ١٨٦
فبكى إليه النساء والصبيان ، وصاح الرجال : يا أبا الفضل ، يا حامل الثقل ومأوى الضعيف ، فكاك العناة أمنن علينا فاشترنا وأعتقنا ، فقال مصقلة : بعني نصارى بني ناجية فقال : نعم أبيعكهم بألف ألف درهم فأبى عليه ، فلم يزل يراوده حتى باعه إياهم بخمس مائة ألف درهم ودفعهم إليه وقال له : عجل بالمال إلى أمير المؤمنين فقال مصقلة : أنا باعث الآن بصدر منه ، ثم أبعث بصدر آخر ، ثم كذلك حتى لا يبقى منه شئ إن شاء الله . قال : وأقبل معقل إلى علي ( ٧ ) فأخبره بما كان منه في ذلك فقال له علي : أحسنت وأصبت ووفقت . قال : وانتظر علي مصقلة أن يبعث إليه بالمال فأبطأ به فبلغ علياً أن مصقلة خلى سبيل الأسارى ولم يسألهم أن يعينوه في فكاك أنفسهم بشئ . فقال : ما أرى مصقلة إلا قد حمل حمالة لا أراكم إلا سترونه عن قريب مبلدحاً ! ثم أقبل ( مصقلة ) حتى أتى علياً ( ٧ ) بالكوفة ، فأقره علي أياماً لم يذكر له شيئاً ، ثم سأله المال ، فأدى إليه مائتي ألف درهم ، وعجز عن الباقي فلم يقدر عليه . ثم لحق بمعاوية ! فبلغ ذلك علياً ( ٧ ) فقال ( نهج البلاغة : ١ / ٩٥ ) : ( قبح الله مصقلة ، فعل فعل السادات وفر فرار العبيد ، فما أنطق مادحه حتى أسكته ، ولا صدَّق واصفه حتى بكته ، ولو أقام لأخذنا ميسوره ، وانتظرنا بماله وفوره » .
وقال ( ٧ ) في الخرِّيت كما في رواية الطبري ( ٤ / ٩٨ ) : ( هوت أمه ، ما كان أنقص عقله وأجرأه على ربه ، فإنه جاءني مرة فقال لي : إن في أصحابك رجالاً قد خشيت أن يفارقوك فما ترى فيهم ؟ فقلت له : إني لا آخذ على التهمة ولا أعاقب على الظن ، ولا أقاتل إلا من خالفني وناصبني وأظهر لي العداوة ، ثم لست مقاتله حتى أدعوه وأعذر إليه ، فإن تاب ورجع إلينا قبلنا منه وهو أخونا ، وإن أبى إلا الإعتزام على حربنا استعنا بالله عليه وناجزناه ، فكف عني ما شاء الله ، ثم جاءني مرة أخرى فقال لي : إني خشيت أن يفسد عليك عبد الله بن وهب ، وزيد بن حصين الطائي . إني سمعتهما يذكرانك بأشياء لو سمعتها لم تفارقهما عليها حتى تقتلهما أو توثقهما ، فلا يفارقان محبسك أبداً ، فقلت : إني مستشيرك فيهما فماذا تأمرني به ؟ قال : إني آمرك أن تدعو بهما فتضرب رقابهما ، فعلمت أنه لا ورع له ولا عقل ! فقلت : والله ما أظن أن لك ورعاً