سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٢٠٩
فينتزع خلخالها من ساقها ، ورِعْثَها من أذنها فلا تُمتنع منه ، ثم انصرفوا وافرين لم يُكْلَم منهم رجل كَلماً ، فلو أن امرءً مسلماً مات من دون هذا أسفاً ما كان عندي ملوماً ، بل كان عندي به جديراً !
فيا عجباً ، عجباً والله يميت القلب ويجلب الهم ويُسَعِّر الأحزان ، من اجتماع هؤلاء على باطلهم ، وتفرقكم عن حقكم ، فقبحاً لكم وترحاً لقد صيرتم أنفسكم غرضاً يرمى ، يُغار عليكم ولا تغيرون ، وتُغزون ولا تغزون ، ويعصى الله وترضون ، ويقضى إليكم فلا تأنفون ، قد ندبتكم إلى جهاد عدوكم في الصيف فقلتم : هذه حمارَّة القيظ ، أمهلنا حتى ينسلخ عنا الحر ، وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء قلتم : هذه صَبَارَّة القَرّ ، أمهلنا ينسلخ عنا البرد ، فكل هذا فراراً من الحر والصَّر ، فإذا كنتم من الحر والبرد تفرون فأنتم والله من حر السيوف أفر ! لا والذي نفس ابن أبي طالب بيده عن السيف تحيدون فحتى متى ،
وإلى متى !
يا أشباه الرجال ولا رجال ! ويا طُغام الأحلام ، أحلام الأطفال ، وعقول ربات الحجال ، الله يعلم لقد سئمت الحياة بين أظهركم ولوددت أن الله يقبضني إلى رحمته من بينكم . وليتني لم أركم ولم أعرفكم ، معرفة والله جرت ندماً وأعقبت سَدَماً ، أوْغَرتم يعلم الله صدري غيظاً ، وجرعتموني جُرَع التَّهمام أنفاساً ، وأفسدتم عليَّ رأيي وخرصي ، بالعصيان والخذلان حتى قالت قريش وغيرها : إن ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب ! لله أبوهم ، وهل كان منهم : رجل أشد مقاساة وتجربة ولا أطول لها مراساً مني ، فوالله لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين ، وها أنا ذا قد ذرفت على الستين ، ولكن لارأي لمن لا يطاع !
فقام إليه رجل من الأزد ، يقال له حبيب بن عفيف آخذاً بيد ابن أخ له يقال له عبد الرحمن بن عبد الله بن عفيف فأقبل يمشي حتى استقبل أمير المؤمنين بباب السدة ، ثم جثا على ركبتيه وقال : يا أمير المؤمنين ها أنا ذا لا أملك إلا نفسي