سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٢٩١
يا محمد لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك ، فأنبأني رسول الله ( ( ٨ ) ) بذلك ووجهني بكتابه ورسالته إلى أهل مكة ، فأتيت مكة وأهلها من قد عرفتم ليس منهم أحد إلا ولو قدر أن يضع على كل جبل مني إرباً لفعل ، ولو أن يبذل في ذلك نفسه وأهله وولده وماله ، فبلغتهم رسالة النبي ( ( ٨ ) ) وقرأت عليهم كتابه ، فكلهم يلقاني بالتهدد والوعيد ويبدي لي البغضاء ، ويظهر الشحناء من رجالهم ونسائهم ، فكان مني في ذلك ما قد رأيتم ! ثم التفت إلى أصحابه فقال : أليس كذلك ؟ قالوا : بلى يا أمير المؤمنين .
فقال ( ٧ ) : يا أخا اليهود ، هذه المواطن التي امتحنني فيه ربي عز وجل مع نبيه ( ( ٨ ) ) فوجدني فيها كلها بمنه مطيعاً ، ليس لأحد فيها مثل الذي لي ، ولو شئت لوصفتُ ذلك ، ولكن الله عز وجل نهى عن التزكية .
فقالوا : يا أمير المؤمنين : صدقت والله ، ولقد أعطاك الله عز وجل الفضيلة بالقرابة من نبينا ( ( ٨ ) ) ، وأسعدك بأن جعلك أخاه ، تنزل منه بمنزلة هارون من موسى ، وفضلك بالمواقف التي باشرتها ، والأهوال التي ركبتها ، وذخر لك الذي ذكرت وأكثر منه مما لم تذكره ، ومما ليس لأحد من المسلمين مثله يقول ذلك من شهدك منا مع نبينا ( ( ٨ ) ) ومن شهدك بعده ، فأخبرنا يا أمير المؤمنين ما امتحنك الله عز وجل به بعد نبينا ( ( ٨ ) ) فاحتملته وصبرت ، فلو شئنا أن نصف ذلك لوصفناه ، علماً منا به وظهوراً منا عليه إلا أنا نحب أن نسمع منك ذلك ، كما سمعنا منك ما امتحنك الله به في حياته فأطعته فيه . فقال ( ٧ ) :
يا أخا اليهود إن الله عز وجل امتحنني بعد وفاة نبيه ( ( ٨ ) ) في سبعة مواطن فوجدني فيهن ، من غير تزكية لنفسي ، بمنه ونعمته صبوراً .
الأول : فقد رسول الله ؟ ص ؟ بوفاته
أما أولهن يا أخا اليهود ، فإنه لم يكن لي خاصة دون المسلمين عامة ، أحدٌ آنس به أو أعتمد عليه أو أستنيم إليه أو أتقرب به ، غير رسول الله ( ( ٨ ) ) ، هو رباني صغيراً ، وبوأني كبيراً ، وكفاني العيلة ، وجبرني من اليتم ، وأغناني عن الطلب ،