سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ١٩
بل إن كنت صادقاً أيها المتكلف لوصف ربك فصف جبرائيل وميكائيل وجنود الملائكة المقربين في حجرات القدس مرجحنين ، متولهة عقولهم أن يحدوا أحسن الخالقين . فإنما يدرك بالصفات ذوو الهيئات والأدوات ، ومن ينقضي إذا بلغ أمد حده بالفناء ، فلا إله إلا هو ، أضاء بنوره كل ظلام ، وأظلم بظلمته كل نور .
أوصيكم عباد الله بتقوى الله الذي ألبسكم الرياش ، وأسبغ عليكم المعاش . ولو أن أحداً يجد إلى البقاء سلماً ، أو إلى دفع الموت سبيلاً ، لكان ذلك سليمان بن داود ( ٧ ) الذي سخر له ملك الجن والإنس ، مع النبوة وعظيم الزلفة ، فلما استوفى طعمته ، واستكمل مدته ، رمته قسي الفناء بنبال الموت ، وأصبحت الديار منه خالية ، والمساكن معطلة ، وورثها قوم آخرون .
وإن لكم في القرون السالفة لعبرة . أين العمالقة وأبناء العمالقة ، أين الفراعنة وأبناء الفراعنة ، أين أصحاب مدائن الرس الذين قتلوا النبيين وأطفؤوا سنن المرسلين ، وأحيوا سنن الجبارين ، وأين الذين ساروا بالجيوش ، وهزموا الألوف ، وعسكروا العساكر ، ومدنوا المدائن .
( منها في وصف المهدي ( ٧ ) ) : قد لبس للحكمة جنتها ، وأخذها بجميع أدبها من الإقبال عليها والمعرفة بها والتفرغ لها ، وهي عند نفسه ضالته التي يطلبها ، وحاجته التي يسأل عنها ، فهو مغترب إذا اغترب الإسلام ، وضرب بعسيب ذنبه ، وألصق الأرض بجرانه . بقيةٌ من بقايا حججه ، خليفة من خلائف أنبيائه .
ثم قال ( ٧ ) : أيها الناس : إني قد بثثت لكم المواعظ التي وعظ الأنبياء ( : ) بها أممهم . وأديت إليكم ما أدت الأوصياء ( : ) إلى من بعدهم . وأدبتكم بسوطي فلم تستقيموا ، وحدوتكم بالزواجر فلم تستوثقوا . لله أنتم ! أتتوقعون إماماً غيرى يطأ بكم الطريق ، ويرشدكم السبيل ؟ ألا إنه قد أدبر من الدنيا ما كان مقبلاً ، وأقبل منها ما كان مدبراً ، وأزمع الترحال عباد الله الأخيار ، وباعوا قليلاً من الدنيا لا يبقى بكثيرمن الآخرة لا يفنى .
ما ضرَّ إخواننا الذين سفكت دماؤهم وهم بصفين ، أن لا يكونوا اليوم أحياء ؟