سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٢٢٦
ما ينفعكم الموعظة ولا الدعاء إلى الهدى والحكمة !
أما والله إني لعالم بما يصلحكم ، ولكن في ذلك فسادي ، أمهلوني قليلاً ، فوالله لقد جاءكم من يحزنكم ويعذبكم ويعذبه الله بكم !
إن من ذل الإسلام وهلاك الدين ، أن ابن أبي سفيان يدعو الأراذل والأشرار فيجيبون ، وأدعوكم وأنتم لا تصلحون فتراعون ! هذا بسر قد صار إلى اليمن وقبلها إلى مكة والمدينة ! فقام جارية بن قدامة السعدي فقال : يا أمير المؤمنين ! لا عدمنا الله قربك ، ولا أرانا فراقك ، فنعم الأدب أدبك ، ونعم الإمام والله أنت ، أنا لهؤلاء القوم فسرحني إليهم !
قال : تجهز فإنك ما علمتك رجل في الشدة والرخاء ، المبارك الميمون النقيبة ، ثم قام وهب بن مسعود الخثعمي فقال : أنا أنتدب يا أمير المؤمنين . قال : إنتدب بارك الله عليك . فخرج جارية في ألفين ووهب ابن مسعود في ألفين وأمرهما علي أن يطلبا بسراً حيث كان حتى يلحقاه ، فإذا اجتمعا فرأس الناس جارية ، فخرج جارية من البصرة ووهب من الكوفة حتى التقيا بأرض الحجاز ، ونفذ بسر من الطائف حتى قدم اليمن وقد تنحى عبيد الله بن عباس عن اليمن ، واستخلف بها عبد الله بن عبد المدان الحارثي ، فأتاه بسر فقتله وقتل ابنه مالك بن عبد الله ، وقد كان عبيد الله خلف ابنيه عبد الرحمن وقثم عند جويرية ابنة قارظ الكنانية وهي أمهما ، وخلف معها رجلاً من كنانة ، فلما انتهى بسر إليها دعا ابني عبيد الله ليقتلهما ، فقام الكناني فانتضى سيفه وقال : والله لأقتلن دونهما فألاقي عذراً لي عند الله والناس فضارب بسيفه حتى قتل ! وخرجت نسوة من بني كنانة فقلن : يا بسر ! هذا ، الرجال يقتلون فما بال الولدان ! والله ما كانت الجاهلية تقتلهم ، والله إن سلطاناً لا يشتد إلا بقتل الصبيان ورفع الرحمة لسلطان سوء ! فقال بسر : والله لقد هممت أن أضع فيكن السيف ! وقدم الطفلين فذبحهما ( بيده بخنجره ) ! فقالت أمهما ترثيهما :
ها من أحس بنيَّيَّ اللذين هما * سمعي وقلبي فقلبي اليوم مختطف
ها من أحس بنيي اللذين هما * مخ العظام فمخي اليوم مزدهف